غزّة | صراع ضد أطرافٍ كثيرة تخوضه حماس، يلقي بظلاله على الظروف المعيشية لأهالي غزة الذين باتت حياتهم جحيماً خصوصاً مع الانقطاع المتواصل للكهرباء فيها.

هكذا هي غزّة. لا تشبه إلا نفسها. تحاول دوماً حلّ ذاتها من عقد الموت، لكن تلك العقد تحاصرها وتأسرها لا محالة. فلا كهرباء ولا وقود أو دواء في ظلّ المعبر المقفل، وأصبح غياب التيار الكهربائي لساعات طويلة عن المدينة، يعزّز مشهد الموت فيها.
الكهرباء ما عادت سوى ضيفةٍ تزور أهل غزة 8 ساعات يومياً. وحين تدق هذه الساعات الفقيرة باب الغزيين، يسارعون إلى استغلالها دقيقةً بدقيقة وثانيةً بثانية.
بعد رحيل «حليف» حماس في مصر، الرئيس المعزول محمد مرسي، لم يفارق حبل الحصار رقاب الغزيين الذين يدفعون ثمن المناكفات السياسية والمتغيّرات الإقليمية في ظل موجة «الربيع العربي». ويبدو أن غليل الجيش المصري لم يُشفَ بعد من جماعة «الإخوان المسلمين» هنا، فانتقم من 18 نفقاً تعدّو مورداً أساسياً للوقود، وردمها بالكامل، ليحصد بالنهاية المواطن المغلوب على أمره ثمار العلاقات المتوترة مع حكومة غزّة والحاكم المصري الحالي من جهة ومع سلطة رام الله من جهة أخرى.


الموت البطيء

جنت الكهرباء نصيب الأسد من الخلاف الحاصل بين سلطتي غزة ورام لله، حيث كل من الطرفين يحمّل خصمه مسؤولية تفاقم المشكلة. «حماس» تنفي التهمة عنها وتلقي بها على «فتح»، المصرّة بدورها على عدم إراحة «حماس» من قيمة الضريبة المضافة على الوقود الذي تنوي شراءه من الاحتلال الإسرائيلي لصالح غزة.
سبب العجز واضح، فالسعر المطلوب للوقود هو 5.7 شيكل، متضمناً قيمة الضريبة المضافة و50% من ضريبة الـ Blue، فيما سلطة غزة لا تقوى على تحمّل كل هذه النفقات التي ترفض رام الله في المقابل التراجع عنها، تحت أي ظرف كان.
وتتعطّش غزة لهذا الوقود لتشغيل محطة توليد الكهرباء اليتيمة فيها، التي كانت قد تلقت ضربة في العام 2006 أدت إلى تقليص قدرتها الإنتاجية. فغزّة تأمل أن تنتج المحطة ما بين 233و283 ميغا وات، لكنّ أقصى ما يمكن أن تنتجه المحطة في حال تشغيل المولدات الأربعة يبلغ مقداره 110- 120 ميغا وات، ما يمثل 32%- 40% من متوسط الاحتياج اليومي. وإضافةً إلى محطة توليد الكهرباء، تتغذّى غزة بالكهرباء عبر خطين رئيسيين مصدرهما الاحتلال الإسرائيلي ومصر، حيث يمدّ الاحتلال غزّة بحوالي 120 ميغا وات، فيما تغذّيها مصر بحوالي 27 ميغا وات فقط.

ضغطٌ على «حماس»

لا تقف أزمة غزة الخانقة عند مصادر تزويدها بالكهرباء، بل تطاول شحّ الوقود، فمحطة الكهرباء تحتاج يومياً إلى ما يقرب من 670 ألف لتر لتشغيل المولدات الأربعة، وفي ظل عدم تراجع سلطتي رام الله ومصر قيد أنملة عن سياستهما تجاه غزّة، لا يبدو الحل قريباً. فمصر لا تزال مصرةً على تدمير الأنفاق كافةً واحتجاز حوالي 12 مليون لتر سولار من أصل 22 مليون لتر ضخّتها قطر لصالح غزة، دون أن تكشف السلطات المصرية أسباب ذلك.


3900 مصنع متوقف عن العمل

تختصر الأرقام الاقتصادية المسجلة الأزمة وأثرها على سكان القطاع. رئيس اتحاد الصناعات الغذائية في غزّة تيسير الصفدي أوضح في حديث لوكالة «الأناضول» أزمة الكهرباء تسببت بركود الأسواق وارتفاع البطالة وتسريح آلاف العمال.
وأوضح أن انقطاع التيار الكهربائي أدى لتوقف نحو 900 عامل عن العمل من أصل 1800 عامل يعملون في 280 مصنعاً غذائياً. كما كشف رئيس اتحاد الصناعات الفلسطينية علي الحايك لـ«الأناضول» أن الخسائر التي خلفها تشديد الحصار الأخيرة تجاوزت الـ200 مليون دولار وإلى جانب تشريد عشرات الآلاف من العمال.
ولفت الحياك إلى أن 3900 مصنع في القطاع توقفت عن العمل بسبب الأزمة، ولا يجري تشغيل سوى 10% بشكل جزئي.

فصول الوجع

تجلس الحاجّة فاطمة مرتجى على مقعدها بالغرفة المخصّصة لغسل الكلي في مجمع الشفاء الطبي، وعلامات التعب لا تفارق وجهها، منتظرةً بشغف أن يُمطر الله على غزّة فرجاً قريباً. وتقول الحاجة مرتجى لـ«الأخبار»: «أنا يا بنتي حياتي مهددة بأي لحظة بالموت. إحنا المرضى مش قادرين نسافر نتعالج برا عشان المعبر، ولا حتى قادرين نغسل الكلى زي العالم والناس بسبب الكهرباء». معاناة الحاجة فاطمة تلخص معاناة مرضى القطاع الذين يعانون الأمرّين في ظل الحصار.
وللتأقلم مع الوضع، اضطرت المستشفيات في ساعات انقطاع الكهرباء إلى العمل بمولدات احتياطية لفترات طويلة، ما يؤثر على كفاءة الأجهزة الطبية وتُصاب بأعطالٍ لا تعدّ ولا تحصى، خصوصاً البرمجيّة منها مثل أجهزة القلب وغسل الكلى وغرف الإنعاش.
وفي حي عسقولة بغزّة، تضطر الطفلة سناء أبو شمالة، كسائر زملائها وزميلاتها الطلبة في كلّ صباح، إلى القفز من حجر إلى آخر لتجنب السباحة في الوحل والمياه العادمة، إذ أغرقت المياه العادمة التي طفت من محطة «عسقولة» للصرف الصحي الشوارع المحيطة بها، نتيجة توقفها عن العمل بشكل كامل لنفاد كميات الوقود اللازمة لتشغيل مولداتها. وتتهدد هذه الكارثة حوالي 20 ألف مواطن بالغرق. كما أن انقطاع الكهرباء يحرم عدداً كبيراً من أهل غزة من مياهٍ صالحةٍ للشرب بسبب توقّف المضخات، وأغلقت أبواب 100 مصنع وقطعت أرزاق حوالي 1000 عامل. صور الحرمان الملتقطة في غزة اليوم لا يمكن أن يشعر بها إلا من يقطن داخلها، ومع كل صباح، يولد أمل جديد في نفوس الغزيين، فلسان حالهم يقول: «بدنا كهرباء عشان نعيش»!

يمكنكم متابعة عروبة عثمان عبر تويتر | @OroubaAyyoubOth