دمشق | ربما كان يبدو الخبر طبيعياً في الأوضاع العادية، لكن في ظل الظروف القاسية التي تمرّ بها سوريا، أن تحصل جامعة دمشق على جائزة أفضل جامعة دولية لعام 2013، فإن تلك مفاجأة للسوريين. الخبر اعتُبِر فخّاً وقع فيه الإعلام الرسمي، إذ تبيّن أنّ الجمعية الأوروبية للأعمال في أكسفورد، التي منحت الجامعة الجائزة، هي شركة تجارية وهمية تعطي جوائز فارغة لإرضاء غرور بعض الهيئات والشخصيات مقابل مبالغ مالية، ما يضع الجامعة ورئيسها أمام تساؤلات عدّة. هل من داعٍ لمثل هذه الشائعات؟ وهل من ضرورة لاستثمار مثل هذه الأخبار وكأنها انتصار كبير لجامعة تعاني ما تعانيه من فساد منذ ما قبل أزمة البلاد؟ الخبر المنقول عن جهة مشكوك في وجودها أصلاً، رسم الارتباك على وجه من ناقش الأمر من السوريين. فالجامعة لم تحقّق في صدقية الخبر قبل الترويج له، ما يعني الكثير من الأكاذيب اللاحقة التي يجب ألا تسقط فيها جامعة تحاول تحسين صورتها في عيون طلابها أولاً.

الماجستير بـLCD
ما هو واقع الجامعات السورية؟ الإجابات تأتي على ألسنة طلابها. وسام، طالب في الهندسة المدنية في جامعة دمشق، يمضي إلى كليته يومياً. يحمل كتبه وأدواته الهندسية، ويتماهى مع شوارع دمشق ووسائل مواصلاتها. الشاب يصرّ على كسب العلم رغم القذائف والانفجارات، مذكّراً باستهداف كليّته بقصف مسلحي المعارضة للمبنى بقذائف الهاون في آذار الفائت، واستشهاد عدد من زملائه. يرى وسام أنّ جامعة دمشق من أعرق جامعات الشرق، مثنياً على المتخرّجين فيها وعلى أساتذتها ذوي الكفاءات العلمية العالية. ورغم أن الشاب ينتقد الفساد والمناهج القديمة والتقليدية في الجامعات السورية، يصرّ على عدم رمي الفشل كلّه على الجامعات.
أما منتصر، طالب ماجستير في الجامعة ذاتها، فله رأي آخر. يروي الشاب الدمشقي أنّه عانى الأمرّين لينال الماجستير، وفي النهاية لم ينَلها من دون أن يشتري شاشة عرض «LCD»، ويقدّمها «هديّة» لأحد الأساتذة. يهزأ منتصر من العقول والكفاءات العلمية إن كان الفساد ينخرها، مبدياً تشاؤمه من وضع البلاد علمياً بعد نهاية الأزمة.

«ادفع تنجح»

لا ريب في أنّ جامعة تشرين في اللاذقية، إحدى أضخم جامعات سوريا، أصبحت الأكبر من حيث عدد الطلاب، بعدما نالت المحافظات الأخرى حصّتها من التردّي الأمني، إضافة إلى النزوح الكبير من المحافظات الأخرى باتجاه الساحل، ما زاد حجم الفساد المستشري بين موظفي الجامعة وجسمها التدريسي. «ادفع لتنجح» هو شعار الطلاب في كلية الآداب. «لا أدب في كلية الآداب»، شعار آخر يطلقه الطلاب عند الحديث عن تعاطي موظفي الكلية معهم. الطريق إلى النجاح واضح بالنسبة إلى الطالب. «لا داعي للدراسة أو البحث عن وسائل اجتياز الامتحانات»، يقول علي، أحد طلاب قسم الأدب الانكليزي. ومثل أي شيء آخر في سوريا، ابتُليت الجامعات بالرشى والفساد والمحسوبية في الزمن الاقتصادي الصعب. وصلت الحال إلى حد الحديث عن بيع أسئلة الامتحان أو وهبها لأبناء أصدقاء الأستاذ الجامعي. دلال، مثلاً، طالبة ماجستير في جامعة تشرين، تشكو بمرارة من مقدار الأسى الذي تعانيه كلما أرادت لقاء أستاذتها المشرفة على رسالة الماجستير. معاناة الفتاة ناتجة من تكاليف «الهدايا» الثمينة التي عليها أن تُعدّها للقاء الدكتورة، والتي كان آخرها جهاز «iPod».
لا تبدو وزارة التعليم العالي، من جهة، مواكبة لمعاناة طلابها، وما تواجهه البلاد من حروب من جهة أُخرى، إذ تصدر قرارات مصيرية متأخرة، فتزيد من جرعات المعاناة التعليمية. فالمفاضلة وقوانين الترفع الإداري تبدو كأنها خارجة من مكاتب وزارة الدفاع. كلام يقوله مهدي، طالب في جامعة تشرين، إذ يرى أن وزارة التعليم العالي ترمي أخطاءها على أزمة البلاد، حتى «يظن الطالب أن إدارة العمليات العسكرية تجري في مكاتب موظفيها، في وقت تتطلب فيه الأزمة نفسها من هذه الوزارة أن تكون على قدر من المسؤولية والإحساس بهموم طلابها». الأمر الذي يطرحه الشاب يبدو بعيداً عن منطق الوزارة ومسؤوليها. فوزير التعليم العالي، مالك علي، ظهر على إحدى المحطات الرسمية ليزيد من حال السخط الشعبي برفع رسوم التسجيل في الجامعات، بدلاً من تخفيضها. «اللي ما معو يدبر حالو»، جملة نُسبت إلى الوزير خلال مقابلته التلفزيونية، ولم يكن يحتاج إليها السوريون لتصبح أسلوب حياة كاملة، إلا أنها أجّجت غضباً شعبياً عارماً، عبّرت عنه صفحات التواصل الاجتماعي، التي كانت المتنفّس الوحيد لتعبير الطلّاب عن امتعاضهم.
وإذ لا يختلف اثنان على أن «مستقبل البلاد الواعد هو الطالب السوري»، فإن التأثير الاقتصادي يعد بمستقبل ضبابي، بعدما قررت وزارة التعليم العالي رفع رسوم التسجيل في نظام التعليم المفتوح. وعلى الرغم من استياء الطلاب وأهاليهم من القرار، أكّدت الوزارة أن لا رجعة عنه، ولا نية بإقرار أي تخفيض على الرسوم التي أصبحت خمسة آلاف ليرة سورية للمادة الواحدة (نحو 35 دولاراً أميركياً) بعدما كانت ثلاثة آلاف ليرة. كذلك رفعت أقساط الدراسات العليا في الجامعات الحكومية، فأصبح رسم التسجيل في الماجستير 11 ألف ليرة، بعدما كان أربعة آلاف، وأضيفت خمسة آلاف ليرة على رسوم كل مادة في التعليم الموازي.
مع ذلك، لا يمكن تبخيس حق الجامعات والقيّمين عليها، وهي المستمرة في عملها رغم كل الظروف التي تعيشها البلاد. فالشرخ الاجتماعي الحاصل في مدينة حمص مثلاً، ما كان يمكن الحدّ من آثاره لولا وجود جامعة البعث. فقد شكّلت هذه الجامعة صمام أمان اجتماعي داخل المدينة المنكوبة. وأدى إيقاف الجامعة عن العمل مدة ثلاثة أشهر، خلال فترة الأحداث الدامية، إلى شلّ حياة الأهالي وتحوّل حمص إلى مدينة أشباح. نشّطت الجامعة الحركة بين الريف والمدينة، وألزمت طلّابها وأساتذتها بدوام الحضور رغم الظروف الأمنية العصيبة. فكان المشهد الحمصي داخل المدينة أشبه بنضال الجامعة بجهازها التدريسي وطلّابها أيضاً، في سبيل التحصيل العلمي. جامعة حمص بدت كدرع حقيقية منعت سقوط المدينة اجتماعياً، وحافظت على «شعرة معاوية» التي تدلّ على استمرار الحياة.
120 ألف طالب جامعي من كل أنحاء سوريا ليس رقماً سهلاً في المعادلة الديموغرافية القائمة، وهذا ما جعل جامعة البعث تأخذ دورها الرائد وتقوم بما عجزت عنه لجان المصالحة، من محاولات إعادة بناء الثقة ومد جسور التواصل، وإن ظاهرياً، بين الناس. دور مهم يُحسَب لجامعة البعث، وباقي الجامعات السورية، التي سمحت باستمرار الحياة الجامعية وكسب العلم رغم الظروف الصعبة التي أحاطت بوصول الطلاب ومدرّسيهم، كلٌّ إلى جامعته.