دمشق | تندرج تحت قانون «تنظيم الجامعات السورية» جملةٌ من الممنوعات تتعلق، أساساً، بالعمل السياسي. إذ يمنع القانون، مثلاً، الطلاب من «الاشتراك في أعمال ذات طابع سياسي خلافاً للقوانين والأنظمة النافذة». أما الإضراب الطلابي، فيستوجب عقوبة بحق الطلاب الذين قاموا بـ«الامتناع المدبَّر عن حضور الدروس والمحاضرات والأعمال الجامعية الأخرى التي تقضي الأنظمة بالمواظبة عليها». ويذهب القانون أبعد من ذلك ليمنع توزيع النشرات وإصدار جرائد الحائط، أو وضع إعلانات، بأية صورة كانت، أو جمع توقيعات داخل الجامعة، ما لم تكن بعلم رئيس الجامعة و«الاتحاد الوطني لطلبة سوريا» وموافقتهما.

عدا الباب المشرَّع أمام التفسيرات والتأويلات الكثيرة حول مفهومي «القوانين والأنظمة النافذة»، تكمن المشكلة الأساسية في أن الاتحاد، الذي جاء ذكره في أغلب بنود القانون كناظم للعمل الطلابي، «لا يعدو اليوم كونه أكثر من غطاء شرعي يُضاف إلى فروع حزب البعث الموجودة في الجامعة علناً، رغم وجود عدد بسيط من كوادر الأحزاب المنضوية، أيضاً، تحت جناح البعث في الجبهة الوطنية التقدمية» وهو ما يعرقل حرية العمل الطلابي لغير المنضوين في أحزاب «مرضيّ عنها». ويرى أحد الطلاب المعارضين في جامعة دمشق أن «البعث» قد «وقع، ومعه أحزاب الجبهة، بين فهمهم لضرورة العمل السياسي في الجامعات من جهة، وبين خوفهم من تأثيره عليهم، في ما لو شُرِّع للجميع من جهةٍ أخرى، فكان أن أباحوا لأنفسهم ما منعوه عن الآخرين».

التظاهرات في جامعة العاصمة

يختلف طلاب جامعة دمشق حول الآليات التي كان يفترض اتخاذها لدى انطلاق التظاهرات في الجامعة عام 2011، إلا أنهم متفقون ضمناً على ما جرى في حينه. فقد تعاملت ثلاث قوى سياسية في الجامعة بأشكال مختلفة مع التظاهرات، أولاها «البعث وحلفاؤه» الذين فاجأهم هذا الحراك، وانضوى العديد من كوادرهم، بعد ذلك، في المجموعات التي شاركت الأجهزة الأمنية في مواجهة التظاهرات.
أما ثانيتها، فالشيوعيون واليساريون خارج «الجبهة التقدمية». هؤلاء خاضوا صراعاً شديداً للإبقاء على الشعارات الوطنية الجامعة المرفوعة في التظاهرات التي شاركوا فيها منذ بدايتها، في مقابل الشعارات والهتافات «التي أُسقِطت إسقاطاً على التظاهرات من قبل بعض الكوادر الإسلامية المتشددة» التي تشكل ثالثة هذه القوى «وأكثرها سريةً». ويرى فراس خ.، وهو طالب يساري معارض في الجامعة، أن «النظام قدَّم، من حيث يدري أو لا، هديةً للمتشددين الإسلاميين الذين عملوا على مصادرة الحراك. وذلك أولاً عبر قمعنا نحن الذين اشتبكنا مع المتشددين منذ اللحظة الأولى، وتالياً من خلال تضييق الخناق على تظاهرات الجامعة، وهو ما عزَّز فكرة أن الجامع هو المكان الأفضل للتظاهر». ويضيف فراس: «نتيجة للقمع، انتقل شكل الاحتجاجات من التظاهرات العادية والشعارات الطبيعية، إلى الشكل المشوّه المتجلي بتوزيع ما سمي مناشير الحرية المصوغة بطريقة استفزازية تزيد الشرخ العمودي بين الطلاب، وهو الشرخ الذي وصل حدّ إطلاق أحد الطلاب المعارضين، في كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية، النار وقتل عدد من زملائه في قاعة الدراسة».
وبعد انقضاء فترة اعتقال الطلاب المتظاهرين، غالباً ما يواجه هؤلاء عقوبة جامعية ايضاً. وهي تتدرج من الإنذار إلى الحرمان دورة ثم دورتين، وصولاً إلى الفصل النهائي من الجامعة. إلا أن هذا التدرج لم يطبق في الأزمة، إذ تعرض العديد من الطلاب لعقوبة الفصل، من دون اللجوء إلى العقوبات الأدنى منها. بعد خروج الطالبة الجامعية رنا عباس (اسم مستعار) في إحدى التظاهرات التي نُظِّمت في جامعتها، اعتقلت ليوم واحد. «ظننتُ حينها أن الأمر قد انتهى عند هذا الحد، وبعد مرور شهرين، اكتشفتُ أن القرار كان قد صدر بحرماني لدورتين. قدّمت طلب استرحام إلى عميد الكلية، إلا أنه رفض. ما جعلني عرضة للمشاكل مع عائلتي التي تتحاشى العمل السياسي».
ويتساءل طلاب الجامعة عن الضرر في فتح الطريق للعمل السياسي في الجامعة بأوسع السبل، من الإضرابات إلى النشاطات السياسية والتوعوية.. الخ، معتبرين أنه «لم ينتج من قمع الحركة الطلابية الوطنية في الجامعة سوى تمهيد البيئة التي تنمو فيها الحركة الرجعية، بحكم ريع المظلومية التي تحصل عليه جراء القمع»، فيما في حقيقة الأمر لا يحتاج ردع العناصر الرجعية في الجامعة الى أكثر من «السماح بالعمل السياسي، وبالتالي ترك الصراع مفتوحاً وعلنياً بين الحركة التقدمية والرجعية، وهذه الأخيرة خاسرة بمجرد إخراجها إلى الضوء». اليوم، يعوِّل العديد من الطلاب الذين قابلتهم «الأخبار» على قوننة العمل السياسي في الجامعات وحماية استقلاليته، بعد «جنيف2» والحل السياسي الذي بات محور الصراع خلال أحاديث الطلاب في مقاصف كلياتهم.