بنغازي | لم يكن نهار الأحد الماضي ينذر بأي قلق في مدينة بنغازي الليبية مهد ثورة 17 فبراير، التي أعلنت أمس العصيان المدني. فمع حلول المساء، خلد السكان إلى النوم لاستقبال يوم روتيني آخر. لكن لم تمض ساعات قليلة بعد منتصف الليل حتى بدأ صوت الرصاص يقضّ مضاجعهم، ليستيقظ معظمهم على صوت تفجير ضخم أنار السماء وهزّ الأرض.

بنغازي التي دعا مجلسها المحلي أول من أمس الى العصيان المدني «بدءاً من صباح الثلاثاء»، فقدت نحو عشرين قتيلاً بينهم 7 من قوى الأمن إضافة الى عشرات الجرحى، في مواجهات بين القوى الأمنية وجماعة أنصار الشريعة، استُخدِم فيها الرصاص وقذائف الـ«آر بي جي» ومضادات الطائرات.
تداعيات هذا التحول الأمني الخطير كانت نتيجتها دعوة قام بها مسؤولون محليون في بنغازي الى العصيان المدني لإدانة العنف. وتباينت التصريحات بشأن عدد الضحايا بين إعلان رسمي أفاد بسقوط سبعة قتلى و69 جريحاً، وحصيلة شعبية أفادت بسقوط نحو 20 قتيلاً تقريباً وأكثر من 50 مصاباً أغلبهم من القوات الخاصة «الصاعقة».
تقول الرواية، وفقاً لشهود عيان، إن سيارة مرّت أمام إحدى دوريات القوات الخاصة بعد منتصف الليل وأطلقت عليهم وابلاً من الرصاص في مشهد اعتاده الجميع. إلا أن القوات الخاصة هذه المرة تمكنت من مطاردة السيارة وإطلاق الرصاص عليها فأردت السائق. وبعد دقائق تجمع رفاق القتيل وبدأوا بهجومهم على قوات الصاعقة، ليتضح أن الفاعلين هم أفراد تابعون لتجمع أنصار الشريعة، وتبدأ المعركة.
مطاردات وراجمات، قتلى وجرحى في صفوف القوات الخاصة، حرب شوارع كتم السكان خلالها أنفاسهم وسط تغيّب تام لوسائل الإعلام أو أي تصريح رسمي يجيب عن تساؤلات العجائز قبل طلوع الشمس.
وفي الوقت الذي همّ فيه المواطنون بالذهاب الى أعمالهم والطلبة الى مدارسهم، اتضح للجميع استحالة التنقل وسط حالة من الذهول؛ فالقنوات المحلية التزمت الصمت وواصلت بث أغانيها وبرامجها المُعتادة. ولم يجد المواطن من يجيب عن تساؤلاته حول إمكانية الخروج من المنزل من عدمه، حيث إن الاشتباكات دارت وسط منطقة البركة ومحيطها، والتي تعد وسط بنغازي وصرّتها.
لقد قرّر الجميع فردياً عدم الخروج من منازلهم واكتفوا بالتواصل عبر الهواتف المحمولة، ولم يجدوا مصدراً للأخبار سوى شهود العيان الذين يروون قصصهم بحذر عبر صفحات التواصل الاجتماعي «فايسبوك».
وفي الثامنة صباحاً بتوقيت طرابلس، بدأت أعمدة الدخان تتصاعد من حي «رأس عبيدة»، الذي يبعد 3 كيلومترات تقريباً عنن منطقة البركة. هنا بدأت الصورة تتضح شيئاً فشيئاً، حيث انتشرت أخبار إحراق مقر «أنصار الشريعة» في منطقتي البركة ورأس عبيدة، وبدأت الأسر تستقبل قتلاها.
في الوقت نفسه، وزّعت القوات الخاصة في المدينة مناشير تطالب السكان بالتزام منازلهم وعدم المشاركة أو الاشتباك مع أي جهة حتى لا يُربك الجيش.
وفي أحد شوارع البركة، وصلت أخبار مقتل أول جندي من جنود القوات الخاصة، أحمد المجريسي، البالغ من العمر 23 عاماً. فبدأ أهله بنصب خيم العزاء، بينما ذهب إخوته ورفاقه لمساندة القوات الخاصة في المعارك، حيث تم منعهم من المواجهات باعتبار أن الأمر عسكري. لكن في طريق عودتهم فوجئوا بأن مجموعة من أنصار الشريعة مرّت على خيم العزاء وأطلقت الرصاص على المعزين فأودت بحياة أحد الجيران (عادل النيهوم) وأصابت شقيق القتيل برصاصة في رجله.
مع بداية منتصف نهار الاثنين توقف التراشق المسلح، وبدأ سكان بنغازي بتفقد المدينة التي زارها رئيس الوزراء علي زيدان.
نواب بنغازي في المؤتمر الوطني العام أكدوا بدءهم باجتماعاتهم لاتخاذ قرارات بشأن الأحداث الأخيرة. ودعوا الجميع الى ضبط النفس والتهدئة.
كذلك المجلس المحلي استجاب في المساء لدعوات السكان، حيث أعلن الحداد في المدينة ثلاثة أيام والعصيان المدني للمدة نفسها.
في غضون ذلك، أوضح عضو جماعة أنصار الشريعة، علي عبد الكريم، في مداخلة هاتفية مع قناة «ليبيا الأحرار»، أنهم لن يسلّموا بنغازي إلى أي جهة إلا عندما يأتي جيش يتقي الله ويتبع الشريعة الإسلامية ويقتدي بسنة الرسول.
أما أكثر ما أثار سخط الجميع في ليبيا فهو ما أعلنه محمود البرعصي، الذي تحدث من مدينة درنة مقدّماً نفسه كعضو في مجلس أنصار الشريعة، حيث أكد من خلال قناة «ليبيا الأحرار» أيضاً، أنهم يريدون تحكيم شرع الله المُغيّب، وأن دعاة الديموقراطية مرتدّون باعتبار أن «الديموقراطية دين كفر».
وتساءل البرعصي متعجباً من أسباب خروج الجيش لمواجهتهم في الوقت الذي اعتُدي فيه على «أخوهم» أبو أنس الليبي الذي خطفته الاستخبارات الأميركية منذ أسابيع، من دون أي ردّ فعل. البرعصي ذهب أبعد من هذا بكثير، حين أكد أن حكومة ليبيا «مرتدة» ويجب محاكمتها.