يبدو أن السلطات المصرية عازمةٌ على إكمال معركتها ضد جماعة الإخوان المسلمين حتى النهاية، وفي سبيل هذا الهدف تتجنب الدخول في أي معارك جانبية، في وقت لوّح فيه رئيس الوزراء حازم الببلاوي بطرد السفير الأميركي من القاهرة، إذا تدخل باراك أوباما في الشؤون الداخلية المصرية.

وقضت السلطات القضائية، أمس، بسجن 15 فتاة من المنتميات إلى جماعة «الإخوان» المسلمين 11 عاماً وشهراً بتهمة قطع الطريق، وحيازة أسلحة بيضاء، وإتلاف منشآت خلال تظاهرة مؤيدة للرئيس المعزول محمد مرسي الشهر الماضي. كذلك عاقبت المحكمة غيابياً أربعة من قادة الجماعة بالحبس 15 عاماً لإدانتهم بتحريض المحكوم عليهن بينهم مدحت الحداد، مسؤول المكتب الإداري لجماعة الإخوان المسلمين في الإسكندرية. وأحالت المحكمة 6 قاصرات من الجماعة على محكمة الطفل، وأمرت بإيداعهن إحدى دور الرعاية على ذمة المحاكمة.
وفي تحدٍّ هو الأكبر حتى الآن لقانون التظاهر الذي يجبر منظمي أي تظاهرة في مصر على إخطار وزارة الداخلية قبل ثلاثة أيام على الأقل، دعا نشطاء من حركات شبابية في ساعة متأخرة من مساء الثلاثاء عبر شبكات التواصل الاجتماعي إلى تظاهرة مساء الأربعاء (أمس) في ميدان طلعت حرب للاحتجاج على القبض على عدد من زملائهم في اليوم نفسه وعلى قانون التظاهر ذاته.
لكن وزارة الداخلية، التي لم تتلقّ إخطاراً رسمياً، فاجأت الجميع بموافقتها على «طلب» تنظيم التظاهرة، وقالت في بيان إنها «وافقت على طلب عدد من النشطاء السياسيين بتنظيم وقفة احتجاجية بميدان طلعت حرب بمنطقة وسط القاهرة، للاعتراض على قانون التظاهر والمطالبة بالإفراج عن المقبوض عليهم في أحداث مجلس الشورى»، من دون أن تذكر هوية النشطاء الذين تقدموا بالطلب.
وأضافت الوزارة أن «التظاهرة ستكون من الساعة الرابعة عصراً إلى الساعة العاشرة مساء الأربعاء»، موضحةً أنها «ستقوم بتأمين الوقفة الاحتجاجية، وتسيير حركة المرور في المنطقة».
وأثارت هذه الموافقة ردود فعل غاضبة وساخرة من النشطاء السياسيين الذين أكدوا أن أحداً لم يُخطر الوزارة.
ورغم تعهد الداخلية تأمين التظاهرة، نشبت اشتباكات بالأيدي بين مئات المتظاهرين من جهة، والعشرات من مؤيدي وزير الدفاع، عبد الفتاح السيسي، من جهة أخرى، بسبب ترديد المتظاهرين هتافات مناهضة للسيسي.
وغداة توقيف قرابة 60 متظاهراً أول من أمس في القاهرة، من بينهم ناشطات وناشطون بارزون، لمشاركتهم في تظاهرات من دون تصريح مسبق، أفرجت الشرطة أمس عن 26 منهم، من بينهم 16 ناشطة، وألقت بهن على طريق صحراوي (10 كيلومترات جنوب القاهرة)، فيما حُبس 24 آخرون لمدة 4 أيام على ذمة التحقيق، ووجهت إليهم اتهامات بالتجمهر ومخالفة أحكام قانون التظاهر الجديد. وأمرت النيابة العامة أمس بتوقيف علاء عبد الفتاح وأحمد ماهر، وهما ناشطان من قادة الحركات الشبابية المصرية التي أطلقت الدعوة إلى تظاهرات كانون الثاني 2011 التي انتهت بإسقاط الرئيس الأسبق حسني مبارك.
وبحسب بيان للنيابة العامة، فقد صدر «أمر بضبط وأحضار علاء عبد الفتاح وأحمد ماهر بعدما أظهرت التحقيقات قيامهما بتحريض المتظاهرين على مخالفة أحكام قانون التظاهر» وتنظيم تظاهرات من دون الحصول على تصريح.
من جهتها، أعلنت الحكومة المصرية، أمس، «تمسكها بتطبيق قانون التظاهر بكل حزم وقوة، مع تقديم الدعم الكامل لجهاز الشرطة، واحترام حرية الرأي والتعبير للمواطنين فى إطار من التنظيم حتى لا تتحول الحرية إلى فوضى»، مؤكدةً أن «الحكومة لن تسمح تحت أي ظرف بتراجع الدولة أمام قوى الإرهاب».
وخلال مؤتمر صحافي على هامش اجتماع الحكومة، قال رئيس الوزراء حازم الببلاوى، إن قانون التظاهر جاء لتنظيم هذا الحق، مشيراً إلى أهمية السير وفق خريطة الطريق المعلنة في هذه المرحلة الدقيقة. وفى رده على سؤال عن موقف مصر في حال تدخل أميركا في شؤونها الداخلية، قال الببلاوى إن بلاده ستتخذ ضد الولايات المتحدة إجراءات «مماثلة لما حدث مع السفير التركي»، إذا تدخل الرئيس الأميركي باراك أوباما في الشأن الداخلي المصري.
وتعليقاً على قانون الإرهاب قال الببلاوي: «لم يتبلور حتى الآن الاتجاه الذي ستأخذه الحكومة في ما يتعلق بهذا القانون. لكن قوانين مكافحة الإرهاب ليست تقييداً للحريات، بل حماية للشعوب والأفراد». بدورها، أكدت وزيرة الإعلام، درية شرف الدين، أن الحكومة «لن تتراجع عن التمسك بقانون التظاهر وتطبيق كل مواده بحزم وقوة»، مؤكدة أن القانون اختبار لهيبة الدولة والحكومة، ولقوة الشعب المصري فى حماية بلده.
ورأت شرف الدين أن «الإخوان» تستغل الضجة حول القانون في محاولة منها للعودة إلى صدارة الموقف، مؤكدةً أن «هذا لن يكون أبداً».
وفي السياق، قال نائب رئيس الوزراء، حسام عيسى، إن قانون التظاهر لن يخضع لأى تغييرات خلال الوقت الراهن، مؤكداً أن «القانون الفرنسي أكثر تقييداً للحق في التظاهر من القانون المصري».
وتعليقاً على الجدل القائم حول قانون التظاهر، رأى أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة حسن نافعة أن «الحكومة غير ناضجة سياسياً وليست لديها رؤية، فالقانون لا يغير أي شيء على الارض، فضلاً عن أنه قد يلغى بعد بضعة أسابيع إذا أُقر الدستور الجديد الذي يكفل حرية التعبير والحق في التظاهر».
وأضاف أنه ليس من مصلحة الحكومة «استبعاد حركات شبابية ثورية مثل حركة «6 أبريل» ومجموعات أخرى شاركت في «ثورة يناير»»، مشيراً إلى أنها بذلك «خلقت معارضين من داخل معسكرها المناهض للإسلاميين».
بدورها، رأت الباحثة في معهد كارنيغي ميشال ديون، أن هذه التطورات دلالة على «اتساع الانتقادات للعملية الانتقالية التي يقودها الجيش، حتى في أوساط التيار المدني الذي كان سعيداً بعزل الرئيس المنتمي إلى الإخوان».
من جهة ثانية، رأى «تحالف دعم الشرعية» الذي تقوده «الإخوان» أن «موجة العنف الجديدة ضد المتظاهرين بداية سقوط الانقلاب (عزل مرسي)».
(الأخبار)