صنعاء | وسط التوتر السياسي الذي يشهده اليمن، نجحت موجة الصقيع التي هبطت على عدة مدن يمنية في تقليص حركة الناس في الشوارع، لكنها ـ كما يبدو ـ لم تنجح في إيقاف ماكينة الاغتيالات عن الدوران وعرقلة أعمال القتل. بل أكثر من هذا، ارتفع مستوى الأهداف المطلوب اغتيالها لتصل إلى حدود عناصر وكوادر أجنبية تعمل للجيش اليمني، منهم خبيران من بيلاروسيا، إضافة إلى مقتل مدير التدريب في كلية الشرطة، وهو شخصية بارزة ومشهود لها في مجاله.

وقعت كل هذه الاغتيالات في يوم واحد، وكأن الجهة المنفذة تعمل تحت قيادة واحدة تعرف تماماً الأهداف البشرية التي تريد الوصول إليها.
هذه الحالة الصعبة في المشهد الأمنيّ الداخلي دفعت قيادة الجهة المختصة، وهي وزارة الداخلية إلى إطلاق إعلان كانت قد أطلقته في السابق قالت فيه إنها ستحرص على اعتقال أي شخص يحمل سلاحاً ولا يمتلك ترخيصاً مباشراً من شخص وزير الداخلية بحمل السلاح وبشكل واضح تماماً.
وقالت الوزارة إنها أطلقت تعليماتها إلى قوات الأمن الخاصة وشرطة الدوريات وأمن الطرق وشرطة صنعاء بـ«اعتقال أي مسلح ليس لديه ترخيص حمل سلاح موقع من وزير الداخلية وإحالته على التحقيق».
وكعادتها، تثير مثل هذه الإعلانات المتكررة، التي لم تنجح في إيقاف ماكينة الاغتيالات، المواطنين لإطلاق سخريتهم منها والتعامل معها بنوع من الخفة، لعلمهم أنها لم تقدر مرّة واحدة على تغيير شيء على أرض الواقع. فعمليات منع حمل السلاح لا تطاول غير صغار المواطنيين، فيما يحتفظ كبار الشخصيات بسلاحهم، وهم دائماً ما يكونون السبب في حدوث الاشتباكات لأبسط الأسباب، حسبما يقول مواطن يمني لـ«الأخبار».
إلى ذلك، لا تزال واقعة اغتيال النائب البرلماني عضو مؤتمر الحوار الوطني عن فريق «أنصار الله» التابع لجماعة الحوثي، عبد الكريم جدبان التي حصلت الجمعة الماضي، تلقي بظلالها على المشهد بقوة، وخصوصاً بعد انتهاء فعاليات دفن الضحية أول من أمس.
حالة السكون التي ظهرت بعد الواقعة من جهة جماعة الحوثي أعطت علامات على أن هناك حالة من ضبط النفس وعدم الانجرار لردة فعل قد تعمل على زيادة اشتعال النار في منطقة دمّاج المشتعلة أصلاً، وكذلك لعدم تعطيل سير فعاليات مؤتمر الحوار الوطني الذي كان القتيل واحداً من أكثر العناصر الفاعلة فيه، إضافة إلى «عدم رغبة هؤلاء بفتح جبهة مواجهات جديدة»، حسب الباحث في علم الاجتماع السياسي محمّد الكامل.
وفي سياق مؤتمر الحوار الوطني، أعلن القيادي الجنوبي محمّد علي أحمد في مؤتمر صحافي عقده أمس، «انسحاب الحراك الجنوبي من مؤتمر الحوار الوطني بشكل نهائي». واتهم القيادي الجنوبي، الذي كان قد أعلن أكثر من مرّة تعليق مشاركة الحراك الجنوبي في فعاليات مؤتمر الحوار «قوى صنعاء النافذة بمحاولة السيطرة على الحوار ومخرجاته، والالتفاف على لجنة الستة عشر»، وهي اللجنة المكونة من عناصر مختلفة من المناطق الشمالية والجنوبية بحكم الانتماء الحزبي، لا الانتماء المناطقي.
كذلك اتهم محمّد الأمانة العامة لمؤتمر الحوار بتحريض ممثلي الحراك على الانشقاق من صفوف الجنوبيين ودفعهم إلى مخالفة القرارات التي تتوصل إليها قيادة الحراك. وأكد أيضاً «أن الضمانات والوعود التي قدمتها الدول الراعية للحوار الوطني لمكون الحراك الجنوبي لم تكن حاضرة على المستوى المطلوب في مسارات مؤتمر الحوار الوطني».
إلى هذا، لم تظهر القيادة السياسية العليا أي اهتمام بالتطورات الجديدة التي طرأت على التحرك الجنوبي، حيث يبدو أن الهاجس الأمنيّ هو المسيطر على تفكيرها وطريقة عملها في الوقت الراهن. فقد أقرت الحكومة في اجتماعها الأسبوعي أمس، «عقد اجتماع استثنائي في أقرب وقت ممكن يجمع الحكومة واللجنة الأمنية العليا ولجنة الشؤون العسكرية وتحقيق الأمن والاستقرار، برئاسة الرئيس عبد ربه منصور هادي، بهدف دراسة مختلف الأوضاع الأمنية ومستجداتها واتخاذ التدابير.