اللاذقية | أربعة أشهر مرّت على مجازر ريف اللاذقية التي ارتكبتها المعارضة المسلحة في «معركة تحرير الساحل». هدوء مهيب يخيّم على القرى الغارقة في صمت لا تخرقه إلا أصوات مدفعية الجيش، بين حين وآخر، تقصف تجمعات المسلحين في جبل التركمان ومنطقة سلمى وباقي الشمال المشتعل. عودة خجولة سجّلت لبعض نازحي تلك القرى، مع أمل بعدم التهاون العسكري مجدّداً مع مثل هذه الحوادث التي كانت حصيلتها عشرات الشهداء، و105 مخطوفين من المدنيين، قسم كبير منهم من النساء والأطفال. المعلومات عن هؤلاء شبه معدومة. تتردد شائعات عن نقلهم الى داخل الأراضي التركية، فيما لا يستبعد كثيرون تصفية المخطوفين، ويهوّل البعض بأنهم قتلوا بهدف بيع أعضائهم لتجار «يرتزقون» من جثث السوريين.

لابراهيم، وهو طالب جامعي من إحدى قرى صلنفة، خمسة من أفراد عائلته بين المخطوفين. يقول: «لا معلومات عنهم. لم يتواصل أحد معنا. لم يتصل بنا أي من الخاطفين، ولم يطالبنا أحد بفدية».
لا يخفي ابراهيم سخطه عند الحديث عن تعاطي الحكومة مع ملف المخطوفين. يقول بغضب: «وعدتنا الدولة بالعمل على موضوعنا ومساعدتنا على إيجادهم، لكنها لم تفعل شيئاً منذ مجازر الساحل وحتى هذه اللحظة». ولا يخفي الشاب العشريني نقمته على الإعلام السوري الذي «لم يسلّط الضوء على جرائم المسلحين في ريف اللاذقية».
وتجدر الإشارة الى أن هذا الإعلام يتعاطى بحذر مع المجازر التي تأخذ طابعاً طائفياً، كما هي الحال في مجازر «معركة تحرير الساحل»، خشية تأثيراتها السلبية على النسيج الوطني السوري.
ابراهيم ليس الوحيد بين أهالي المخطوفين الذي يعاني عدم التواصل معه، وغياب أي أخبار عن ذويه. «أم عدنان»، عجوز وأمّ لثلاث فتيات مخطوفات، لا تكفّ عن البكاء منادية على بناتها. تشعر بأنهن لن يعدن أحياء. إحساس الأمومة لديها يؤكّد ذلك، ومع هذا ترفض اليأس، وتصرّ على المطالبة بالبحث عن مصير البنات اللواتي «كنّ من أكثر بنات القرية تهذيباً». وتشكو من أن «الهجوم على قريتنا لم يستفز الحكومة بالشكل الكافي لمساعدتنا. أحتاج إلى أن أبرّد نار قلبي على بناتي». تتساءل المرأة الباكية بحرقة: «هل يتم تناسينا عمداً؟».
ويشير عادل، وهو خال طفلين مخطوفين، الى أن الدولة السورية بذلت جهوداً كبيرة لحل ملف مخطوفي أعزاز اللبنانيين، فيما لم تحرّك ساكناً حيال الغياب القسري لمواطنيها الذين تُنسى ملفاتهم في أدراج المسؤولين. ويتابع: «بدل نفي المجازر التي حصلت بحقنا، في بادئ الأمر، كان يجب إيصال قضية شهدائنا ومخطوفينا إلى الأمم المتحدة، باعتبارها قضية حقوق إنسان». يستنكر الشاب اللاذقيّ «إهمال الدولة»، متسائلاً: «ألهذه الدرجة لا ترى الحكومة في قضية الأحياء منّا أي أهمية تستدعي العناء؟»، مشيراً الى أن اهتمام الدولة اقتصر على إرسال محافظة اللاذقية لجاناً عدة إلى مواقع المجازر، «وسط تعتيم إعلامي مستفزّ».
ويولي الباحث السوري نبيل فياض اهتماماً خاصاً بملف مخطوفي اللاذقية، وقد كشف لـ«الأخبار» أن مفاوضات جرت قبل نحو شهر للإفراج عن 65 مخطوفاً من أصل 105 معظمهم نساء وأطفال وشيوخ، ويشاع أنهم في إدلب. لكن الصفقة لم تتم، إذ «لا جهة تنسيق واضحة للخاطفين، ولا منظّمة يمكنها التفاوض مع الدولة باسمهم».
ويشير فياض، مؤسس «حزب عدل»، الى أحاديث يتداولها أهالي المخطوفين عن تواصل الخاطفين معهم بغية إجراء عملية تبادل بين نساء الريف المخطوفات وسجينات لدى الدولة السورية. وأكد أن بعض المخطوفين «الأطفال حصراً» يتكلمون مع أهاليهم ويطمئنونهم إلى أحوالهم بين الفينة والأخرى. ويشير الى أن الخاطفين أظهروا في أحد تقاريرهم المصورة إحدى المخطوفات تشيد بالمعاملة الحسنة التي يلقاها المخطوفون. ولكن، «بعد بضعة أسابيع اكتشفت مقبرة جماعية وجدت فيها جثة المرأة نفسها». ويؤكد الباحث السوري إرساله تقارير عدة توضح أوضاع المخطوفين وتفاصيل مجازر ريف اللاذقية، إلى الأمم المتحدة ومنظمة «هيومان رايتس ووتش».
لا يعوّل ذوو المخطوفين على وعود أي من المسؤولين. يكتفون بحزنهم وسخطهم، منتظرين أي خيط أمل يقودهم إلى معرفة مصائر أبنائهم.