ماكس بلومنتال

كشف نموذج رقم 990 الصادر حديثاً عن مصلحة الضرائب الأميركية، والذي يتضمن معلومات عن الإيرادات، أن «مؤسسة أسرة كلارمان»، التي يرأسها سيث كلارمان، وهو أحد أسخى الممولين للجماعة الموالية لإسرائيل، وأحد أكثر المتشددين أيديولوجياً فيها في آن معاً، والذين يروجون للإسلاموفوبيا في الولايات المتحدة، قد دفعت مبلغ 10 آلاف دولار على الأقل لفريق العمل الأميركي من أجل فلسطين. هبة كلارمان هذه تسلط الضوء على مسيرة منظمة تتخذ من واشنطن مقراً، تأسست أصلاً من أجل تعزيز موقف مؤيدي إقامة دولة فلسطينية، لكنها انحرفت أكثر فأكثر عن التوافق الفلسطيني. كذلك، هي تكشف عن استراتيجية ناشئة يتبعها المانحون الموالون لإسرائيل أمثال كلارمان الذين يدعمون كوكبة من المجموعات المسلمة والأميركية العربية بغية دق إسفين في تنظيم التضامن الشعبي مع فلسطين.

في اتصال هاتفي مع زميل معروف في فريق العمل الأميركي من أجل فلسطين يدعى حسين إيبيش، كشف هذا الأخير أنّه لم يسمع يوماً بكلارمان أو بمؤسسة أسرة كلارمان؛ وعلى الرغم من ادعاءات فريق العمل بأنّه لم يقبل يوماً بأي هبات من حكومات أجنبية، فقد قبِل بمبلغ 148.800 دولار من سفارة الإمارات عام 2011.

محاربة الأكاديميين وصرف التمويل

إلى جانب دعم فريق العمل، كان كلارمان المؤسس الرئيس لـ«مشروع إسرائيل»، التنظيم الدعائي المرتبط بالحكومة الإسرائيلية والذي يقوده المتحدث السابق باسم لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك)، جوش بلوك.
ويروّج «مشروع إسرائيل» «لنظام عقوبات متشدد على إيران»؛ بالإضافة إلى معارضة الاتفاق النووي الأميركي الإيراني المؤقت الذي تم توقيعه مؤخراً، ودعم المشروع الاستيطاني الإسرائيلي.
صرف كلارمان مئات آلاف الدولارات على معهد بحوث إعلام الشرق الأوسط، واللجنة الأميركية اليهودية، ومشروع دايفيد الذي تأسس لقمع تنظيم تضامني مع فلسطين داخل حرم الجامعات في كافة أنحاء الولايات المتحدة، ومضايقة أعضاء هيئة التدريس الذين تُعتبر إيديولوجيتهم معادية لإسرائيل.
ثمة مجموعات أخرى موالية لإسرائيل تجني ثمار سخاء كلارمان ومن بينها «بيرثرايت إسرائيل»، ومعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى الذي أسسته «آيباك»، و«مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات» المؤيدة للحرب. كذلك، أتاح سخاء كلارمان إقامة مجموعة جديدة موالية لإسرائيل تدعى «باحثون من أجل السلام في الشرق الأوسط».

استراتيجية دق الإسفين

على عكس الأثرياء المعاصرين المؤيدين لإسرائيل مثال نينا روزنولد وهايم سابان، لم تقتصر تبرعات كلارمان على الجماعات التي تؤيد إسرائيل صراحة. عوضاً عن ذلك، شارك أيضاً في منظمات ناشطة في العالم المسلم والأميركي الفلسطيني تدّعي أنها تمثل مصالح مجتمعاتها.
يقدم دعم كلارمان للمؤتمر الإسلامي الأميركي نافذة مثالية على استراتيجيته الواضحة. يدعي المؤتمر: أنه يعمل على تعزيز الحقوق المدنية والإنسانية باسم المسلمين، بيد أنه يعتمد بشكل شبه كامل على التمويل من كلارمان ومن يشاركونه نزعته الآيديولوجية. كنتيجة لذلك، سعت هذه المنظمة إلى دق إسفين في التنظيم الرئيسي الأميركي المسلم، رافضةً التحاور مع جماعات الحقوق المدنية المسلمة القائمة، بالإضافة إلى منع بعض أعضاء فرعها الطلابي المنضوين تحت «مشروع نور» من مناقشة مواضيع تتعلق بفلسطين داخل حرم الجامعة.
على نحو مشابه، ساهم كلارمان في تمويل المنتدى الإسلامي الأميركي برئاسة زهدي جاسر، وهو طبيب مسلم ملتزم بالتعاليم الدينية ومقيم في أريزونا، أدى دور البطل الأساسي في فيلم البروباغاندا المعادي للإسلام، «الجهاد الثالث». وكان جاسر شاهداً نجماً في جلسات الاستماع في الكونغرس التي طاولتها انتقادات واسعة النطاق وتطرقت إلى التطرف الأميركي المسلم، وقد أشاد ببرنامج شرطة نيويورك الفاسد لمراقبة المسلمين.

احتضان اللوبي الموالي لإسرائيل

انبثق فريق العمل الأميركي من أجل فلسطين عن اللجنة الأميركية من أجل القدس، المنحلة حالياً، والتي كان يرأسها رشيد الخالدي، أستاذ إدوارد سعيد للدراسات العربية الحديثة في جامعة كولومبيا. وقد كان الخالدي نائب الرئيس الأصلي لفريق العمل.
واليوم يرأس فريق العمل الأميركي هذا، الطبيب الفلسطيني الأميركي زياد العسلي (المعروف بعلاقاته مع تيار الحريري في لبنان). وتنص مهمة الفريق المعلنة على الترويج في واشنطن لعملية السلام التي تقودها الولايات المتحدة ولإقامة دولة فلسطينية. على مر السنين، فيما تعثرت عملية السلام واكتسبت حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات الزخم، بدأ فريق العمل بالانحراف خارج إطار التوافق الفلسطيني.
ثمة عامل آخر يحث على رد الفعل العنيف ضد الفريق في الأوساط الفلسطينية، وهو الصورة التي تعود إلى أيار من عام 2012 والتي يظهر فيها العسلي (الصورة) وهو يحضر احتفالاً في السفارة الإسرائيلية في العاصمة واشنطن بمناسبة «عيد الاستقلال» الإسرائيلي ــ العيد الذي يتصادف مع مناسبة إحياء الفلسطينيين لذكرى النكبة.
في الصورة، عانق العسلي الذي يبدو مبتهجاً سفير إسرائيل آنذاك لدى الولايات المتحدة، مايكل أورين، أحد منظّري تيار المحافظين الجدد والمدافع الشرس عن المشروع الاستيطاني الإسرائيلي.
كان أورين، الذي ولد في نيويورك وتخلى عن جنسيته الأميركية، مظلياً في الجيش الإسرائيلي خلال اجتياح لبنان عام 1982 وناطقاً باسم الجيش الإسرائيلي خلال اجتياح عام 2006، وعملية الرصاص المصبوب على قطاع غزة، التي أودت بحياة أكثر من 1400 شخص من سكان القطاع الساحلي المحاصر.
نشِرَت صورة أورين والعسلي المبتسم على نطاق واسع في صفوف الشتات الفلسطيني، وقد وحّدت من خلال الغضب والسخط مجموعة من الفلسطينيين على اختلاف انتماءاتهم السياسية.
وعندما اعترض الناشطون الفلسطينيون الشبان على ظهور العسلي ونظموا عريضة لإدانة سلوكه، رد إيبيش، الزميل المعروف في فريق العمل (والكاتب الدائم في مواقع آل الحريري الناطقة باللغة الانكليزية)، بدفاع محموم عن رئيسه. وبخصوص حضور العسلي إلى الاحتفال الإسرائيلي، كتب إيبيش: «هذا هو النهج الوحيد الذي يستطيع أن ينتهجه أي شخص يتخذ من الولايات المتحدة مقراً له ويريد بجدية أن يحقق أي شيء عملي من أجل السلام، أو تحسين حياة الفلسطينيين».
بيد أنه من خلال هذه النقطة، تمكن فريق العمل من أن ينفّر حتى بعثة منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، عندما انتقد العسلي خطط السلطة الفلسطينية الهادفة إلى طرح سعيها إلى إقامة دولة للتصويت في الأمم المتحدة، باعتبارها «تنطوي على خطر».
تبني العسلي للموقف الإسرائيلي والأميركي، دفع بمنظمة التحرير الفلسطينية في تشرين الأول 2011 إلى الإعلان عن قطع العلاقات مع فريق العمل الأميركي من أجل فلسطين.
كان غيث العمري، زميلاً مقرباً من الباحث السابق في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، دايفيد ماكوفسكي، الذي تم تعيينه حديثاً للانضمام إلى فريق وزارة الخارجية المعني بإدارة «مسيرة السلام» التي تقودها الولايات المتحدة، وبذلك يصبح هذا الفريق محشواً أكثر بمنظرين مؤيدين لإسرائيل.
في السنوات الأخيرة، جال العمري على وسائل الإعلام والجامعات الأميركية بصحبة ماكوفسكي، غالباً في مناسبات ترعاها مجموعات موالية لإسرائيل. زرع العمري التفاؤل بالحل الذي يقضي بإقامة دولتين مع تقديم تبريرات في آن لإنقاذ حملة سلام فياض المنسية، الهادفة إلى بناء مؤسسات متماسكة للدولة تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي.
في هذه الأثناء، وضع ماكوفسكي خطة لـ«تبادل الأراضي» ستتيح لإسرائيل احتواء معظم سكان المستوطنات داخل حدودها المستقبلية، في حين يحتمل أن ينقل المواطنون الفلسطينيون الذين يعيشون في ما يسمى «المثلث العربي» إلى قبضة حكومة فلسطينية استبدادية.
مع خبو الأمل في حل الدولتين في غياهب النسيان، كثّف فريق العمل هجومه على الفلسطينيين الذين يؤيدون قيام دولة واحدة ديموقراطية مع حق العودة لللاجئين الفلسطينيين. أدى إيبيش دور كلب الهجوم الأساسي للمنظمة الذي ينتقد بشدة مؤيدي حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات لمشاركتهم في «خطاب يتسم بالغلو عن بشاعة الصهيونية».
فيما يشكو إيبيش والعسلي بشدة من منتقديهما، خصوصاً أولئك الذين يسعون إلى عرقلة الأجندة المطروحة من قبل مانحين كبار موالين لإسرائيل مثال كلارمان، توافقت أجندتهما مع الطموحات الإقليمية لممولهما الأكثر سخاءً.
(ترجمة بتصرف: باسكال شلهوب
عن صحيفة MODOWEISS الالكترونية الأميركية)




استقالات جماعية بسبب الانحراف

فيما انحرف فريق العمل الأميركي من أجل فلسطين، نحو اللوبي الإسرائيلي بتوجيه من زياد العسلي، بدأت شخصيات محترمة كرشيد الخالدي بالاستقالة بأعداد كبيرة. حالياً، يضم مجلس إدارة فريق العمل 13 عضواً، ليس لأي منهم شهرة، وهو عدد أقل بـ27 شخصاً مما كان عليه عام 2009.
ومن بين أولئك الذين استقالوا من مجلس إدارة الفريق: داوود قطاب، صحافي فلسطيني اعتراه الغضب بسبب اعتراض العسلي في الأمم المتحدة على سعي السلطة الفلسطينية الحثيث إلى إقامة دولة. قطاب استنكر «موقف العسلي غير السليم الذي اختار تجاهل قرارات سابقة اتخذها مجلس إدارته وأصدر مقالتي رأي لا تتوافقان مع نهج الأمم المتحدة في ما يتعلق بإقامة الدولة».