تونس | في أول تعليق على الاحتجاجات الشعبية التي ذكّرت التونسيين بآخر أيام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، وحزبه في الحكم والتي توزعت بين مدن قابس (جنوب شرق) وقفصة (جنوب غرب) وسليانة (شمال غرب) والتي قادها الاتحاد العام التونسي للشغل، وجّه الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، رجل تونس القوي الآن، حسين العباسي، رسالة شديدة اللهجة الى الترويكا الحاكمة.

رسالة العباسي، جاءت إثر لقائه سبعة عشر سفيراً من الاتحاد الأوروبي أمس، وهي تشير الى هذه الاحتجاجات التي ضمّت حوالى خمسين ألف مشارك في قابس وسليانة. احتجاجات شعبية انتهت بوقوع إصابات بليغة لحوالي خمسين رجل أمن في سليانة وحرق المقر المركزي في محافظة قفصة لحركة النهضة. ورأى العباسي أن إحراق مقر «النهضة» ومقر حزب الرئيس المنصف المرزوقي، (المؤتمر من أجل الجمهورية) ليس الا «بروفة» للاحتجاجات التي ستعرفها البلاد في الأيام المقبلة ما لم تكفّ الترويكا عن سياسة النعامة التي تدس رأسها في التراب متجاهلة تنامي الاحتقان الشعبي.
وأكد العباسي أن المنظمة النقابية الأولى في البلاد، التي قادت كل الاحتجاجات الكبرى ضد الحكومة في تاريخ تونس، غير مستعدة للتخلي عن دورها في الوقت الذي فوضت فيه المنظمات الأربع الراعية للحوار الوطني، العباسي التفاوض باسمها.
تصعيد العباسي في خطابه ضد الترويكا الحاكمة جاء بعد إضراب قطاع الصحة العمومية أيضاً، والذي حقق نجاحاً يصل الى حوالي مئة في المئة، مما خلق حالة من الشلل في المستشفيات العمومية التي يقصدها الفقراء. ورغم تفهم القيادة المركزية للظروف الاقتصادية للبلاد، الا ان القيادات الوسطى والصغرى مصرة على مواصلة المعركة مع الحكومة التي يقودها الإسلاميون، والتي قادت البلاد الى كارثة اقتصادية وأمنية.
في الوقت الذي تلحّ فيه الأحزاب السياسية، بما فيها «النهضة»، على ضرورة التوافق والتنازل من أجل المصلحة العليا للبلاد المهددة بسيناريوهات خطيرة جداً، يصر حزب «المؤتمر» على نسف جهود التوافق وذلك بشأن حملة على المرشح الوفاقي عبدالكريم الزبيدي، الذي قبلت به كل الأطراف ليتبوأ رئاسة الحكومة باستثناء حزب الرئيس، الذي تتهمه القوى السياسية اليوم بعرقلة الحوار الوطني.
هذا الواقع دفع زعيم المعارضة الباجي قائد السبسي، في رسالة وجهها الى المنظمات الراعية للحوار، الى الدعوة لضرورة مراجعة منظومة ٢٣ تشرين الأول التي قادت المرزوقي الى الرئاسة بعدد محدود جداً من الأصوات ومن دون انتخاب مباشر من الشعب.
فسحب الثقة من المرزوقي يبدو انه اصبح خياراً وارداً بعد التوافق بين كتلة «النهضة» وحزب التكتل من أجل العمل والحريات، الذي يقوده رئيس المجلس الوطني التأسيسي، مصطفى بن جعفر، وكتلة المعارضة، في التراجع عن التنقيحات التي اقترحتها كتلة «النهضة» وكتلة «المؤتمر» والمنشقون عنه. هذا السيناريو يبدو انه ليس من المستحيل تكراره في ما يتعلق بسحب الثقة من الرئيس إذا أصر على رفض ترشيح الزبيدي لقيادة الحكومة الجديدة؛ فالقانون المنظم للسلطات العامة يسمح للمجلس التأسيسي بسحب الثقة من الرئيس وترشيح رئيس جديد بأغلبية ١٠٩ أصوات، وهذا متوفر الآن بالنسبة لحركة النهضة التي رضخت لطلبات المعارضة وشريكها حزب «التكتل»، لأنها تدرك ان التوافق هو الأمل الوحيد لخروج تونس من المأزق.
لكن في حال تمسكت بالعناد والتصلب فلا شيء يمنع من تكرار سيناريو شبيه بمصر في تونس خاصة أمام الأزمة الاقتصادية والمخاوف الأمنية التي تهدد استمرار الدولة ذاتها.
وحدهم أنصار حزب الرئيس المؤقت والأحزاب المنشقة عنه مثل «التيار الديموقراطي» و«حركة وفاء» يغرّدون الآن خارج السرب؛ فالنهضة اول من يبحث عن القفز من المركبة تحت شعار التوافق قبل الغرق. فهل يدفع الرئيس وحزبه الذي لم يبق فيه الا بعض عشرات فقط ضريبة التوافقات الجديدة للحليفه الاسلامي، وتونس تستعد للاحتفال بالذكرى الثالثة على سقوط نظام بن علي؟