الجزائر - سمارة سلام

الكوكب كله لا يعنيني الآن. الغثيان ورائحة السمك المقلي تأكل رأسي. هكذا تجد نفسك في منزل عجوز تشكو وتقلي السمك ليلا، لتنام بعدها في غرفتها المرفهة ويكون نصيبي ارض الصالون المغمورة بالزيت. واضحك مع نفسي واقول: ماذا لو سقطت هذه الثريا فوق بطني الان وانقذتني بسوريالية من كل هذا الغثيان المقيت؟ الان فهمت لماذا لم نكن نأكل السمك صيفاً! لانه يتجه مباشرة الى بصلة العنق او الى القلب فيعتصره جيدا. يعجبني الكبار في السن حين يعتقدون امتلاكهم حقيقة كل الاسرار.

ولديهم من الذاكرة والحكايات ما يدهش الاطفال مثلي. ثلاث امسيات كانت تكفي لاعرف تاريخ الجزائر، بالروايات الشعبية المتوارثة، الحقيقية منها والمخفية عن الكتب المدرسية، وتلك السوريالية التي تعلم جيدا ان مبالغتها لا تمت للعالم بصلة. تسمع بكل ما اوتيت من قوة، وتدخن كما يحلو لك معها، لان التبغ يأتي مرافقا جيدا للقلق او الحماسة او الشكوى، وتكون على يقين بان كل ما نتنفسه منذ الصغر ملوث، وهذه السجائر الجميلة على الاقل لا تسبب سرطانا في العاطفة او الحنين. هذه المرأة هي الوحيدة التي جعلتني اندم لاني تركت اوروبا وعدت الى الجزائر، او لاني خرجت من بيتي في سوريا اصلا. كان جسدي في القطار القديم يرتجف بسبب تعرجات السكة، وكنت ابكي لاني ادركت ان الغربة بدأت تحفر وتشوه وجهي، وان عاطفتي المتورطة بفعل الوجود تنفي مباشرةً عدمية الحرب او الاستثناء الذي كنت اعيش فيه. احب الجزائر، لاني لم اكن اتوقع انها عرفت المترو قبل ان تعرفه دمشق. ولانني في دمشق لم اسمع يوما مخبولا في الطريق يعبر عن مشاعره بحرية ويصرخ باعلى صوته «لي جون راني زعفان»! اي: ياناس انا زعلان. ويكررها حتى يبدأ الصوت يبتعد اكثر فاكثر ثم يختفي في الشارع الاخر. في الجزائر فقط أؤمن بالطاقة الموصولة بين البشر وبينهم وبين الارض والنبات والحيوانات والطقس. منذ شهر تقريبا كنت اسمع الموسيقى في الباص واقفة، واحرك اصابعي فرحا. تنظر الي عجوز مباشرة في عيني ثم تدمع عيناها وتقول لي «اروحي تريحي في بلاصتي» (اي تعالي ارتاحي في مقعدي) مقدمة إلي مكانها! قلت لها وانا اضحك اني ما زلت شابة استطيع الوقوف. ثم فهمت لم دمعت عيناها واعطتني مكانها عندما قالت لي ان ما يقلقها ليس تعب جسدي وانما قدرة عيني على كتمان كامل تعبي وانا في هذه السن. فوجئت. شعرت بالخوف خصوصا عندما امسكت بيدي واجلستني باصرار، ثم ادارت وجهها وتركتني لأسئلتي. وكنت اشعر بها تمس شعري باطراف اصابعها ثم تتوقف. منذ ذلك اليوم بدأت افكر في ان الاقتناع بالعدمية للحصول على التوازن، ليس الا اسلوبا فاشلا في رؤية العالم. اعلم جيدا اني اقتل نفسي ببطء في هذه البلاد وبهذه الافكار، وأواسي نفسي بان هذا كله بسبب السمك ليلا والغثيان. وان درجة الحرارة والرطوبة البحرية في الصباح، سوف تنسيني كل شيء.