إلى جانب ما ترتكبه قوات الاحتلال الإسرائيلي من جرائم بحق الفلسطينيين من قتل وتدمير وسلب للأراضي وتشريد للآمنين في منازلهم، تتبع اليوم سياسة هي الأخطر من نوعها عبر استهداف الصحافيين بالرصاص والقنابل والاعتداءات المختلفة، كما انها تعمد الى إغلاق القنوات الإعلامية وتدميرها وسرقة محتوياتها، واعتقال العاملين فيها وتهديدهم، لا بل ان الامر تفاقم الي حد اعتقال صحافيين على خلفية آرائهم على مواقع التواصل الإجتماعي.

وكواحدة من بين عشرات الصحافيين الذين تابعوا ولا يزالون يتابعون مجريات الأحداث الميدانية اليومية، وعلى احتكاك مباشر مع قوات الاحتلال، فإن الجنود يقدمون يوميا دليلا جديدا على وحشيتهم في التعامل معنا، وخرقهم المتكرر للأنظمة والمواثيق الدولية التي تدعو إلى احترام الصحافي في النزاعات والحروب، والتعامل معه كمدني.
لقد باتت عدسات الكاميرا ترعب الاحتلال لكونها نجحت في محطات عديدة في فضح جرائمه حتى باتت تمثّل له هاجسا يدفعه لمحاربتها بشتى الطرق، وأذكر في إحدى المرات كيف اعتدى علي جنود الاحتلال عندما كنت قرب حاجز بيت إيل العسكري شمال مدينة البيرة المحتلة، لتغطية أحداث المواجهات التي دارت يومها مع قوات الاحتلال.
لم يفرّق الجنود يومها بين الصحافيين والصحافيات، اعتدوا علينا جميعا، وجهوا إلينا كيلا من الشتائم، وطالبونا بمغادرة المكان، وهددونا بالاعتقال وتحطيم الكاميرات، وأمطرونا بالقنابل الصوتية والغازية.
كذلك جرى الاعتداء عليّ على نحو مماثل أثناء تغطيتي لاغتيال الشهيد محمد عاصي في بلدة بلعين غراب مدينة رام الله، بعدما نجحت بصعوبة بالغة برفقة مجموعة من الزملاء في الوصول إلى المنطقة، وذلك نتيجة منع الجنود لنا، هم الذين حاصروا المنطقة، ومنعوا أي شخص من الدخول إليها أو الخروج منها.
أذكر في ذلك اليوم، كيف هاجمنا الجنود وتعمدوا إطلاق الأعيرة النارية نحونا رغم ارتدائنا زي الصحافة، وصرخوا بوجوهنا مطالبين إيانا بالرحيل، وقد استفز رفضنا المغادرة، الضابط الإسرائيلي الذي استمر في تهديدنا بالاعتقال، وحينها باشر الجنود إلقاء القنابل الصوتية تجاهنا على نحو جنوني، مع وابل من الغاز المسيل للدموع، ما أدى الى اصابتي وعدد آخر من الزملاء بالاختناق.
اعتداءات الاحتلال لا تتوقف على الصحافيين الذكور، والصحافيات الفلسطينيات كان لهن حصة أيضا من هذه الاعتداءات، فمنذ بداية الانتفاضة الحالية تعرضت أكثر من 14 صحافية وإعلامية لاعتداءات مختلفة 3 منهن في مدينة القدس المحتلة، و4 في رام الله، و4 صحافيات من الخليل، واثنتان من بيت لحم، وواحدة من قطاع غزة.
وتنوعت اعتداءات الاحتلال ما بين استهدف مباشر بالرصاص الحي، وإصابة بالأعيرة المطاطية والمعدنية التي أطلقت بصورة مباشرة ومن مسافات قريبة، كذلك استخدام عدد من الصحافيات دروعا بشرية.
وبالتركيز هنا على دور الصحافيات الفلسطينيات، اللواتي جندن كاميراتهن وأقلامهن لنقل الفعاليات والأحداث الدائرة، وواجهن وحشية الجنود ومستوطنيه، رغم ذلك واصلن اقتحام المواجهات والمسيرات وجنازات الشهداء يتقدمن الصفوف دون خوف وملل وبكل صدقية مما جعلهن عرضة للاستهداف.
استهداف الإعلاميين والاعلاميات، وتدمير المؤسسات الاعلامية واغلاقها، ما هي إلا محاولة للتعتيم وتغييب الحقيقة، وطمس الرواية الفلسطينية وتزوير الحقائق لكسب تعاطف دولي مع الاحتلال، لكن في المقابل، الاعلام الفلسطيني مصمم على مواصلة كسر كل هذه القوانين والإجراءات المفروضة مهما كلف الأمر.