هو السيناريو نفسه الذي يطلّ في كل مرة يتعرّض فيها أشخاص للخطف على أيدي جماعات سورية معارضة. لم يختلف يوم أمس عن سابقاته، العبارات ذاتها: «لسنا مختطفات»، «ضيافة جيدة» و«معاملة حسنة». تعود الذاكرة الى مختطفي أعزاز اللبنانيين، الذين هم أيضاً كانوا في «ضيافة جيدة» و«غير مختطفين».

مشاعر الطمأنينة والفرح والامتنان طغت، أمس، على مضمون الشريط الذي بثّته قناة «الجزيرة» القطرية. لكن، هل هنّ كذلك فعلاً؟

راهبات دير مار تقلا المختطفات من معلولا واللواتي ظهرن بصحة جيدة، «أكدن سلامتهن» في الشريط، وأنهن خرجن من الدير «لشدة القصف». بالتأكيد، لم تستطع الراهبات التحدّث عن سبب اختفاء صلبانهنّ، هنّ اللواتي رفضن الهرب من الدير مرات عدّة سابقاً. لكن إحداهن قالت إنه سيطلق سراحهن بعد يومين.
خطاب أصرّ عليه مدير المكتب الإعلامي لـ«المجلس العسكري» (التابع لـ«الجيش الحر») في دمشق وريفها، مصعب الخير ـــ أبو قتادة، الذي قال لـ«الاخبار»: «الراهبات (13 و3 مدنيين) لم يختطفن، هن بأيدي الجيش الحر وتم تأمينهن بناءً على طلبهن». وأضاف إن «الكتائب التي حرّرت معلولا هي المسؤولة عن تأمينهن». وأشار الخير إلى أن «الراهبات كنّ في الدير، وبسبب القصف طُلِب من الفصائل الموجودة نقلهن إلى منطقة آمنة، هذه هي كل القصة».
الهجوم على البلدة التاريخية يوم الثلاثاء الماضي شنته «جبهة النصرة»، قبل أن تنضم إليها مجموعات أخرى كـ«لواء الغرباء» و«جبهة تحرير القلمون» وكتائب من «الجيش الحر». غير أن عملية الخطف كانت على يد «النصرة». وبحسب مصادر ميدانية معارضة، دخلت شخصيات من «الجيش الحر» على خط التفاوض مع «النصرة» لإطلاق سراحهن. ويوم أمس، تبنّت «كتيبة أحرار القلمون» خطف الراهبات، وطالبت بالإفراج عن 1000 معتقلة عند النظام السوري مقابل الإفراج عنهن، حسبما نقلت صحيفة «الشرق الأوسط» عن مهند أبو الفداء، من المكتب الإعلامي. وقالت المجموعة الخاطفة إن مطالبها وصلت إلى النظام السوري، من خلال الفاتيكان بعد تأمين اتصال بين رئيسة دير مار تقلا في معلولا (المختطفة) الأم بيلاجيا سياف والفاتيكان بواسطة هاتف يعمل عبر الأقمار الصناعية. وأوضح أبو الفداء أن هذه المطالب مشتركة بين «جبهة النصرة» و«كتيبة أحرار القلمون». وهنا يعلّق أبو قتادة في حديثه لـ«الأخبار» قائلاً: «هذه الكتيبة (أحرار القلمون) لم نسمع بها من قبل، وأعتقد أنها فصيل وهمي». وفي هذا السياق، أكّدت مصادر إسلامية معارضة لـ«الأخبار» أن الراهبات المختطفات موجودات لدى «جبهة النصرة»، وليس لدى أي جهة أخرى، وأن مقاتلي الجبهة نقلوهن إلى «مكان آمن».
في المقابل، وفي اتصال مع مستشار وزير المصالحة علي حيدر، إيليا سمّان، نفى هو الآخر أن يكون قد سمع بهذه الكتيبة، وقال: «لحد الآن، لا يوجد أي معلومات، كما أنه لم يتواصل معنا أي أحد بخصوص الراهبات». وأشار سمّان الى أنه «سبق أن تعاطينا مع كتائب مسلحة، لكن هذه الكتيبة التي تبنّت الخطف لم نسمع بها إطلاقاً».
بدوره، أمين سر بطريركية الروم الملكيين الكاثوليك في دمشق الأب مكاريوس ملوقة، قال لـ«الأخبار» تعليقاً على ظهور الراهبات: «أهم شيء أنهن بخير، واستطعنا الاطمئنان عليهن»، مضيفاً، «لكنهن الى الآن مختطفات، والضيعة نهبت وهدّمت، والراهبات ليس لديهن أي ذنب في ذلك». وقال ملوقة إن «مسلحي النصرة حطّموا كل صلبان الأديرة والكنائس باعتبار أن ذلك كفر»، مضيفاً «من الطبيعي أن يكون كلام الراهبات تحت الضغط وهن مجبرات على ذلك». وأشار الأب ملوقة، وهو من معلولا، إلى أن «الراهبات مختطفات مثل أبنائنا السبعة الشباب الذين خطفوا منذ أيلول الماضي». وكان الهجوم الأول على معلولا في أيلول، واختطف 7 شباب «قاوموا ثلاثة أيام مع الدفاع الوطني الى أن فقدوا الذخيرة واختطفوا». ويتأسف الأب ملوقة لأن المدينة «التي تستقبل 5 ملايين سائح أصبحت مدمرة بالكامل».
في الشريط الذي نشرته «الجزيرة»، ظهرت رئيسة الدير الأم بيلاجيا سياف تتحدّث في البداية قائلة: «نحن نطمئن كل العالم المشغول بالهم علينا، (...) ومن أنقذونا من الدير قالوا لنا إن ذلك لأجل سلامتنا وغادرنا الدير، والله سلم الجميع». ويسأل المصور الراهبات: «هل كانت هناك اشتباكات عند خروجكنّ؟»، فردّت الأم بـ«نعم»، وقالت «الله يعطيهم العافية». وأوضحت راهبة أخرى أنهن «13 راهبة و3 مدنيين في فيلا جميلة وعلى قيد الحياة، وسنغادر إن شاء الله عندما ينتهي القصف». وقالت أخرى: «نريد أن يحصل السلام، وذهبنا من شدة القصف، ومن أخذونا هم محبون واهتموا بنا كثيراً ونشكرهم ولم ينقصوا أي شيء علينا». وتوجهت إحدى الراهبات اللبنانيات الى أهلها بالقول: «بعد يومين سيفرج عنا، ونحن بخير». وأضافت راهبة أخرى: «نشكر لهم معاملتهم لنا، ولم نغادر الدير إلا بسبب القصف، والله يهدّئ الأزمة ويوفق الجميع». وناشدت راهبة أخرى «أفرقاء الصراع في سوريا وقف قصف الأماكن المقدسة»، مشيرة الى أنه «لا يمكن إلا أن نشكرهم على الخدمة التي قاموا بها لأجلنا وعلى الخدمة والرفاهية».
وتعليقاً على الشريط المصوّر لراهبات الدير، شكر بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام «كل من ساهم في أن يكنّ مرتاحات»، مشيراً الى أنه «إن لم تكن معلولا آمنة فالمكان الآمن الآن هو لدى البطريرك يوحنا العاشر اليازجي». وقال في حديث تلفزيوني: «أطلب من الله أن لا يكون أي إنسان سوري خارج بيته، ونريد أن تكون سوريا جميلة، وكلنا نريد أن تعود سوريا».

يمكنكم متابعة رشا أبي حيدر عبر تويتر | @RachaAbiHaidar