لم يخبر باراك أوباما القصة الكاملة عندما حمّل بشار الاسد مسؤولية الهجوم الكيميائي الذي حصل قرب مدينة دمشق في21 آب الماضي. ففي بعض الحالات، أغفل معلومات استخبارية مهمة، فيما قدّم في حالات أخرى افتراضات على أنها حقائق. والاهم، أنه فشل في الاعتراف بشيء معروف لدى أجهزة الاستخبارات الاميركية وهو الآتي: ان الجيش السوري ليس الطرف الوحيد في الحرب الاهلية الذي لديه إمكانية في الوصول الى إنتاج السارين واستخدامه.

قبل أشهر من الهجوم، قدّمت وكالة الاستخبارات الاميركية سلسلة من التقارير بالغة السرية، تحتوي أدلة على أن «جبهة النصرة» المرتبطة بتنظيم «القاعدة» أتقنت آليات إنتاج السارين وتمكنت من تصنيعه بكميات. وعندما وقع الهجوم، كان على تنظيم «النصرة» أن يكون مشتبهاً فيه، لكن الادارة راوغت لتبرير توجيه ضربة ضد الاسد.
في خطابه الشهير عن سوريا في 1 ايلول الماضي، حمّل أوباما بحزم حكومة الاسد المسؤولية عن هجوم غاز السارين على محيط الغوطة الشرقية التي يسيطر عليها المتمردون. وكان واضحاً أن أي استخدام للاسلحة الكيميائية هو تخطٍّ لـ«الخط الاحمر». كان أوباما على وشك شنّ الحرب، لكنه كان سيفعل ذلك من دون أي يقين أو تأكيد عن الجهة التي ارتكبت الهجوم صباح الحادي والعشرين من آب.
وفيما كان أوباما حازماً وحاسماً في خطابه بأن نظام الاسد هو من شنّ الهجوم الكيميائي، تكشف مقابلات عدة (أجراها سيمور هيرش) أخيراً مع ضباط في الجيش والاستخبارات ومستشارين، وجود «قلق شديد وغضب في بعض الأوقات، بسبب ما اعتبر مراراً وتكراراً أنه تلاعب متعمد بالاستخبارات. أحد ضباط الاستخبارات الرفيعي المستوى بعث برسالة عبر البريد الالكتروني الى زميله، قال فيها إن ادعاءات الادارة الاميركية عن مسؤولية نظام الاسد هي «خدعة». وكتب في الرسالة، ان الهجوم «لم يكن صنيعة النظام». مسؤول استخباري بارز قال (لهيرش) إن «ادارة أوباما غيرت المعلومات المتوافرة ــ من ناحية التوقيت والتسلسل ــ وذلك ليبيّن الرئيس ومستشاروه للاستخبارات أن الهجوم حصل في وقته».
غادر اوباما واشنطن في 21 آب في جولة لمدة يومين في نيويورك وبنسيلفانيا. وبحسب المكتب الاعلامي للبيت الابيض، تمّ إخباره لاحقاً في هذا اليوم عن الهجوم وتعامل الاعلام معه وغضب الناس. وبحسب هيرش، فإن «عدم وجود إنذار فوري داخل الاستخبارات الأميركية، يوضح أنه لم يكن يوجد معلومات استخبارية حول النيات السورية في الأيام التي سبقت الهجوم». ويضيف هيرش، «هناك على الاقل طريقتان بإمكان أميركا أن تعرف من خلالهما مسبقاً بالهجوم: الاثنتان مرتبطتان بأحد التقارير الاستخبارية السرية التي سرّبها ادوارد سنودن منذ أشهر».
في 29 آب، نشرت «الواشنطن بوست» الاميركية مقتطفات من الميزانية السنوية لجميع برامج الاستخبارات الوطنية. وبالتشاور مع إدارة أوباما، اكتفت الصحيفة بنشر مقتطف صغير من تقرير يتألف من 178 صفحة، فائق السرية، لكن تم تلخيصه ونشر منه قسم، وهو المتعلّق بالتعامل مع مناطق النزاع. وبحسب التقرير، «كان هناك مشكلة في إحدى المناطق، وهي الفجوة في تغطية مكتب الاسد». بمعنى آخر، لم يكن لدى «وكالة الامن القومي إمكانية الوصول الى محادثات القيادة العسكرية العليا في سوريا، والتي من شأنها أن تتضمن اتصالات مع الاسد وأوامر مثل هجوم الغاز. (منذ 21 آب، وفي الخطابات العلنية، لم تعلن إدارة أوباما أبداً أن لديها معلومات محددة تربط الأسد نفسه بالهجوم).
وضمّ تقرير «البوست» إشارة أولية إلى نظام استشعار سري داخل سوريا، يهدف الى توفير الإنذار المبكر لأي من التغيرات على حالة ترسانة الاسلحة الكيميائية. وللإشارة، يجري رصد أجهزة الاستشعار من قبل مكتب الاستطلاع القومي، الوكالة التي تسيطر على كل الأقمار الصناعية العائدة للاستخبارات الاميركية. ويكشف هيرش أن مسؤولاً كبيراً في الاستخبارات قال له إن «أجهزة استشعار مكتب الاستطلاع القومي قد زرعت بالقرب من المواقع الكيميائية في سوريا. وهي مصممة لتوفير مراقبة مستمرة لحركة رؤوس حربية كيميائية مخزنة من قبل الجيش. ولكن الأكثر أهمية بكثير، من حيث الإنذار المبكر، هو قدرة الاستشعار لتنبيه الاستخبارات الاميركية والاسرائيلية عندما يجري تحميل الرؤوس الحربية بغاز السارين»، بحسب المسؤول الاستخباري. وقال المسؤول الاستخباري لهيرش، «إن الجيش السوري لا يملك 3 أيام للإعداد لهجوم كيميائي، سيّما أن الرأس الكيميائي الحربي، محمّلاً بالسارين، صالح للاستخدام خلال بضعة أيام فقط، إما يستخدم على الفور أو تنتهي صلاحيته. ويتابع المسؤول: أنشأنا نظام استشعار لرد فعل فوري، مثل التحذير من الغارات الجوية. لا يمكن أن يكون تحذيراً على مدى ثلاثة أيام لأن جميع المتورطين يقتلون. إما تنفّذه الآن أو تصبح في التاريخ. لا تنفق ثلاثة أيام استعداداً لإطلاق غاز الاعصاب». تجدر الاشارة الى أن أجهزة الاستشعار لم تسجّل أي حركة في الشهور والأيام قبل 21 آب، بحسب المسؤول الرسمي. وإن عدم وجود تحذير يعني أن واشنطن كانت غير قادرة على رصد الأحداث في الغوطة الشرقية أثناء وقوعها، برأي هيرش.
رصدت أجهزة الاستشعار في كانون الاول 2012 علامات على أنها لإنتاج السارين في مستودع (سوري) للأسلحة الكيميائية. لم يكن واضحاً ما إذا كان الجيش السوري يُعدّ لهجوم أو أنه ينفذ سلسلة من الاختبارات على إنتاج السارين. وبحسب المسؤول الاستخباري الرسمي، فقد قال إنه «تبيّن أنها كانت جزءاً من الاختبارات». وأضاف: «إذا كشفت أجهزة الاستشعار مجموعة من الاختبارات في كانون الاول الماضي دفعت أوباما إلى الاتصال والقول: أوقفها! لماذا إذاً لم يصدر الرئيس التحذير نفسه قبل ثلاثة أيام من هجوم الغاز (في الغوطة الشرقية) في شهر آب؟».
في موازاة ذلك، راجع ثيودور باستول، وهو بروفسور التكنولوجيا والأمن القومي في «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا»، الصور التي التقطت من قبل الامم المتحدة، وخلص الى أن الذخيرة الصاروخية الكبيرة من المحتمل بنحو كبير أن تكون مصنّعة محلياً. وقال لهيرش: «هو شيء يمكن إنتاجه في متجر متواضع». ويضيف: «الصاروخ في الصور لم تتطابق صفاته مع مواصفات أصغر صاروخ معروف في الترسانة السورية».
حصلت سلسلة من الهجمات بالاسلحة الكيميائية على نطاق صغير في آذار ونيسان الماضي، وهذا ما أثار اهتمام أميركا بمادة السارين و«جبهة النصرة». ففي ذلك الوقت، أصرّت الحكومة السورية على أن المتمردين يتحمّلون مسؤولية هذه الهجمات، فيما اتهم الآخرون النظام بذلك. وبحسب الامم المتحدة، تم تسجيل 4 هجمات كيميائية لكن من دون تحديد المسؤولية.
بعد شهرين، أعلن بيان البيت الابيض أن الاستخبارات لديها «ثقة عالية» بأن حكومة الاسد مسؤولة عن مقتل 150 شخصاً في هجوم غاز السارين. لكن مرة جديدة، لم يكن هناك تفاصيل.
وفي أواخر شهر أيار الماضي، أخبرني المستشار الاستخباري أن «وكالة الاستخبارات المركزية أطلعت إدارة أوباما على «جبهة النصرة» وعملها مع السارين، وأن الوكالة أرسلت تقارير مثيرة للقلق عن جماعات أصولية تنشط في سوريا، كتنظيم «القاعدة» الذي تمكّن من فهم كيفية إنتاج السارين». في ذلك الوقت، كانت «النصرة» تنشط في المناطق القريبة من دمشق، بما في ذلك الغوطة الشرقية. وفي منتصف الصيف، أشار تقرير استخباري الى توجه زياد طارق أحمد، وهو خبير في الاسلحة الكيميائية، كان سابقاً في الجيش العراقي، أشير الى أنه انتقل الى سوريا، وتحديداً الى الغوطة الشرقية. ويقول هيرش بأن المستشار أخبره بأن «طارق معروف بأنه عنصر من عناصر النصرة، وله سجل حافل في صنع غاز الخردل في العراق وصنع السارين واستخدامه».
في 20 حزيران، أرسل ملخّص من أربع صفحات عن تورط «جبهة النصرة» في تصنيع السارين الى نائب مدير وكالة استخبارات الدفاع ديفيد شيد.
وفي الصيف الماضي، أرسلت سلسلة من البرقيات السرية من سوريا تردد أن عناصر في «الجيش السوري الحر» اشتكوا لعملاء الاستخبارات الأميركية من اعتداءات متكررة على قواتهم من قبل «جبهة النصرة» و«القاعدة». ووفقاً للمستشار الاستخباري الذي قرأ هذه التقارير، فقد تبيّن أن «الحر يشعر بالقلق من هؤلاء المجانين أكثر من الاسد».
يثير تشويه الإدارة الاميركية للحقائق المحيطة بهجوم السارين سؤالاً لا مفر منه: هل لدينا القصة الكاملة لرغبة أوباما في السير بعيداً عن تهديده بضرب سروريا بحسب «خطوطه الحمراء»؟ يبدو أن هذا ممكن، فقد واجه معلومات متناقضة: أدلة قوية بما يكفي لإقناعه بإلغاء خطة هجمته العسكرية.
قرار الامم المتحدة الذي أعلن في 27 ايلول من قبل مجلس الامن، أقرّ بنحو غير مباشر بأن قوى متمردة مثل «النصرة» ستكون ملزمة بنزع السلاح: «لا يجوز لأي جهة في سوريا أن تستخدم أو تطوّر أو تنتج أو تحتفظ أو تخزن أو تنقل أسلحة كيميائية». لم يسمّ القرار أي جهة. في الوقت الذي يستمر فيه النظام بالحد من ترسانته الكيميائية.
بعد تدمير ترسانة النظام، من السخرية أن ينتهي الامر بالنصرة وحلفائها الإسلاميين على أنهم الفصيل الوحيد داخل سوريا الذي بإمكانه الوصول الى مكوّنات إنتاج السارين.
(ترجمة رشا أبي حيدر)