ريف حمص | موجة الاهتزاز التي سبّبها الانفجار الذي استهدف قرية الثابتية، في الخامس من الشهر الجاري، شعر بها سكان وسط حمص. حين تدخل القرية المنكوبة الواقعة جنوبي المدينة، ينتابك شعور بأن الانتحاري القادم من الصحراء قصد أن يدمّر القرية ويمسحها من الوجود. كل بيوت القرية متضررة، بحسب قربها من موقع التفجير. البيوت الأقرب تحوّلت إلى ركام. أما تلك الأبعد، فأقل أضرارها تهدّم جدران. لا زجاج سليماً في نوافذ أي من بيوت القرية كلها. وفي موقع الانفجار حفرة ضخمة عمقها 3 أمتار وقطرها 10 أمتار، محاصرة بتلال من الركام.

في ذلك اليوم المشؤوم، اقتحم الانتحاري السعودي «أبو مصعب السعيد»، من تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، القرية بشاحنة محمّلة بـ 7 أطنان من المواد المتفجّرة، وفجّرها بالقرب من حسينية السيدة خديجة الكبرى. لم يصل طول أكبر قطعة تم العثور عليها من الشاحنة إلى أكثر من نصف متر. صدمة الانفجار كانت قاضية. تروي مريم: «أول شي صار انو كل واحد صار يتفقد حالو وما مصدق اذا بعدو عايش. بلا وعي ركضنا كلنا لنتطمن على اولادنا يلي عم يلعبو برا. وبعد شوي كل واحد بلش يتفقد جارو».
حصيلة المجزرة 12 شهيداً؛ بينهم أربعة أطفال من عائلة واحدة، إضافة إلى عشرات الجرحى. لكن الشائعات التي ترددت في القرية فور حصول الانفجار كانت أخطر من المأساة. يشرح حسن، وهو طالب في المدرسة، بشاعة الشائعات: «كل واحد سمع معلومة صار يبهّرها. شي نسمع أنو السيارة جاية من عند الجيران في (بلدة) سكّرة، وشي نسمع أنها جاية من (بلدة) الريّان. وبلّش الاستفزاز يبيّن على وجوه العالم».
منزل حسن سوّي بالأرض، ومن حسن حظه أن عائلته كانت في منزل الجدّ على طرف القرية. معظم أهالي القرية باتوا بلا مأوى ينتظرون التعويض من الدولة لترميم بيوتهم أو إعادة بنائها. جلّ ما استطاعت محافظة حمص تقديمه بعدما هرع المحافظ إلى المنطقة، هو مساعدات فورية للمتضررين بما لا يتجاوز 50 ألف ليرة لكل عائلة، إضافة إلى الاهتمام بالخدمات الطارئة ضمن القرية والمساهمة في إيواء من فقدوا منازلهم. يشير خليل الى أن أول ردّ فعل بعد إسعاف الجرحى، كان من قبل الشيخ محسن الخضر، إمام القرية، الذي دعا إلى شرب فنجان قهوة في موقع الانفجار، في محاولة لامتصاص غضب الناس.
حفل التأبين للأطفال الأربعة: علي، حوراء، زينب وبتول، شكّل فرصة لتأكيد قوة علاقة الثابتيين مع جيرانهم. وفد من قريتي الريان والخضراء الواقعتين جنوبي الثابتية، يعقبه وفد من بلدة سكّرة بهدف العزاء. صور الأطفال الأربعة الذين لم تتجاوز أعمارهم 12 عاماً معلّقة على الحائط المقابل للمعزّين. والدهم يتأمل صور أطفاله، وكأنه غير مصدّق أن هذه العيون البريئة الصغيرة قد اختفت من بيته إلى الأبد.
يروي خليل كيف انقلب موقع التفجير، في اليوم التالي، إلى مهرجان تضامني وطني بين الثابتية ومحيطها من القرى المختلفة طائفياً. لم تغِب ملامح الأب الحزينة عن أبناء الريان والخضراء وسكّرة الذين تعاطفوا مع نكبة القرية، فعادوا في اليوم التالي لتحية الروح الوطنية لأبناء القرية الصغيرة الذين لا يزيد عددهم على 4000، لم ينجرّ أحد منهم إلى أي استفزاز طائفي.
البحث عن معلومات تخص القرية الجريحة عبر الإنترنت يفضي إلى تعليقات تتضمن تهديدات تتوعّد بالإبادة الطائفية ومحو القرية عن الوجود. ذنب الثابتية الوحيد انتماؤها الطائفي، وانضمام عدد كبير من أبنائها إلى قوات الجيش. وهو موقف لم ينسه أنصار «الثورة». عمليات الترميم وإصلاح المنازل لا تزال جارية في قرية لطالما افتقدت اهتمام الدولة، ولم تظهر على واجهة الحدث إلا حين تذكّرها الإرهاب.