لم يقتصر ردّ الفعل الإسرائيلي إزاء التجارب الصاروخية الإيرانية الاخيرة، على الحملة السياسية والدبلوماسية في المحافل الدولية، بل حضر أيضاً لدى المخططين الاستراتيجيين الذين رأوا أنّ الصوامع المحصّنة تحت الأرض التي كشفت عنها إيران، سيكون لها مفاعيلها على العقيدة العسكرية الاسرائيلية في مجالي الهجوم والدفاع، وصولاً الى عدم جدوى الرهان على خيار الضربات الوقائية والاستباقية ضد هذه المنشآت.
من أهم مفاعيل الكشف الصاروخي الإيراني أنّه حضر في حسابات الكلفة والجدوى لدى صانع القرار السياسي والامني في تل ابيب. فمن جهة أثبتت إيران أن أيّ عدوان خارجي، بما فيه الاسرائيلي، غير قادر على تحييد التهديد الصاروخي الإيراني، وبالتالي عقم الرهان على جدوى أي خيار عسكري ابتدائي أو من موقع الرد. ومن جهة مقابلة، أثبتت قدرتها على تدفيع العدو أثمانا مؤلمة بالمستوى الذي حقق ويحقق لها الردع الاستراتيجي طوال المرحلة الماضية التي سبقت الاتفاق النووي الإيراني، وما بعده.
رأت المقاربة الاسرائيلية التي نشرتها مجلة «إسرائيل ديفنس»، المعنية بالشؤون الدفاعية والعسكرية المتصلة بإسرائيل، أنّ خطر الاستناد الى الردع في ظل خطورة الصوامع الايرانية، يُفترض أن يدفع صنّاع القرار في إسرائيل إلى خلاصة مفادها أنّ من الافضل شنّ ضربة وصفتها بالاستباقية ضد الصوامع الإيرانية المبنية تحت الارض (اختارت المقاربة الاسرائيلية مصطلح الاستباقية في مقابل سيناريو الهجوم الإيراني المفاجئ الذي تناولته. ولم تستخدم مصطلح الضربة الوقائية لأن ذلك يعني أن إسرائيل قد تدرس خيار توجيه ضربة عسكرية ابتدائية لمنع تراكم القدرات الإيرانية).

على إسرائيل الاعتماد على الردع والدبلوماسية

يأتي هذا التقدير الإسرائيلي بعدما كشفت إيران عن صوامع اطلاق صواريخ بمديات تراوح بين 1700 – 2000 كلم، ومخزن كبير يسمح بادخال صواريخ محمولة على شاحنة، وبتزويد الصواريخ بالوقود وتركيب رأس حربي تحت الأرض بشكل سري بعيداً عن رصد الاقمار الصناعية التابعة للغرب.
لكن خيار الضربة العسكرية الإسرائيلية مشروط بتوافر معلومات استخبارية محددة وموضعية، تتصل بكل هذه المنشآت والصوامع. وهو ما افترضت المقاربة وجوده كي تواصل مناقشة جدوى خيار الضربة العسكرية الإسرائيلية لشلّ القدرة الهجومية الإيرانية، وتساءلت إن كان هجوم كهذا سيحقق الهدف؟
لكن المقاربة التي أشرف عليها رئيس مركز ابحاث الفضاء في معهد «فيشر» طال عنبر، قدَّرت أنّه ما من ضمانة بأن يجري تدمير كافة الصوامع الصاروخية، وخاصة أنّ المسألة تتعلق بصوامع محصَّنة ليس من السهل تدميرها. وإذا لم يتم هذا التدمير، فهذا يعني أن إيران ستبقى تملك القدرة على شن هجوم مضاد. أضف إلى أن إيران تملك قدرات اطلاق ثابتة ومتحركة وليس فقط صوامع.
من المحتمل، أيضاً، أن تكون هذه القاذفات موزعة في مناطق مبنية في إيران. كما أن لديها منصات متحركة على شاحنات وربما يكون لديها مثلها ايضاً على سفن تجارية داخل حاويات، ليس من السهل رصدها وتدميرها. هذا الى جانب امتلاكها غواصات قادرة على اطلاق صواريخ، وتوجد معلومات عن أن ايران حصلت على صواريخ BM-25.
في ضوء هذه التقديرات، خلصت المقاربة الى أن هجوماً إسرائيلياً كهذا لن يمنع اطلاق صواريخ من منصات متحركة سواء في البر او البحر، هذا من دون حساب ترسانة حزب الله (وأشارت المجلة ايضاً إلى ترسانة حركة حماس). ولفتت ايضاً إلى أنّ خطوة كهذه لن تحظى بدعم دولي لهذا المسار، وستعرّض إسرائيل لعقوبات اقتصادية من قبل الامم المتحدة والولايات المتحدة.
ماذا عن الخيارات البديلة؟
ختمت المقاربة بالحديث عن الخيار البديل امام إسرائيل في ظل عدم جدوى الرهان على ضربة عسكرية، لافتة إلى أن على إسرائيل الاعتماد على الردع والدبلوماسية، على أن تتم خلال ذلك نشاطات تهدف الى تحقيق احباط «لين» الذي يتميز عن نشاطات الاحباط «الصلب» (العسكري).
وعلى هذه الخلفية، دعت المقاربة الإسرائيلية الى ضرورة استبدال بناء قدرات عسكرية لشن هجوم استباقي، ببناء قناة دبلوماسية في الشرق الاوسط وآسيا لانتاج متعاونين مع إسرائيل، والاستثمار في محاولة استبدال النظام القائم في ايران بآخر أقل تطرفاً. وحتى التفكير باجراء حوار سري مع إيران لبناء اليات تمنع المبادرة الى هجمات مفاجئة (ضبط متبادل) أو وقوع هجمات بسبب أخطاء.
لكن المشكلة تكمن في التوصية، التي خُتمت بها المقاربة، أن هذا الامر يتطلب نمط تفكير مختلفا عما هو قائم اليوم في إسرائيل.