هجمة حكومية جديدة على منظمات المجتمع المدني في مصر بدأت فصولها بعد إعادة القضاء تحريك «القضية 173»، المعروفة باسم «التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني»، مع أن من المفترض أن تكون القضية قد انتهت عام 2011، بعدما صدر بحق المتهمين من جنسية مصرية أحكام بالسجن، فيما تمكن المتهمون الأميركيون الـ19 من الهرب والسفر بطائرة خاصة، وذلك بعد صدور حكم قضائي وصف بأنه مثير للجدل، برفع أسمائهم عن قائمة منع السفر.
هذه المرة، تلقى قاضي التحقيق المستشار هشام عبد المجيد، تقارير عن حجم التمويل الذي حصلت عليه المنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان، وخصوصاً التي أدت دوراً بارزاً في الحياة السياسية المصرية، ودربت الشباب وأصدرت تقارير انتقدت فيها أوضاع حقوق الإنسان، وهو ما يثير الشبهات حول تسييس القضية، لتركيز القضاء على هذه المنظمات دون غيرها.
فقد فوجئ الناشطان حسام بهجت وجمال عيد، اللذان طلب قاضي التحقيق منعهما من التصرف بأموالهما في جلسة أول من أمس، بأن المحكمة انعقدت في وقت سابق للنظر في الطلب دون تبليغهما بموعد الجلسة. ووفق المعلومات، فإن محاميهما حضر جلسة المحاكمة بناء على ما نشر في وسائل الإعلام، وما بثته وكالة «أنباء الشرق الأوسط» الرسمية. كما طلب القاضي منع عيد وزوجته وابنته القاصر من التصرف بالأموال، ورفضت طلب محاميهم تصوير مذكرة المنع المشار إليها. ثمّ وافق رئيس الدائرة التي نظرت في القرار، على إفساح المجال للمحامين للاطلاع على حيثيات القضية، وحدد جلسة الخميس المقبل للاستماع إلى مرافعة الدفاع.
وكان عبد المجيد قد أصدر في وقت سابق قرارات عدة منع بموجبها عدداً كبيراً من الناشطين العاملين في مجال حقوق الإنسان من السفر خارج البلاد، كما كان يفاجئ الناشطين بهذه القرارات خلال محاولتهم السفر. ويقول متابعون للقضية إن من المتوقع أن يباشر قاضي التحقيق استدعاء العاملين في منظمات حقوق الإنسان قريباً.

استدعت القضية تعليقاً أميركياً مباشراً وردّاً مصرياً

في سياق متصل، أعلن مركز «نظرة للدراسات النسوية»، أنه استدعي ثلاث عاملات في المركز للتحقيق في القضية، على أن يجري استكمال التحقيق معهم يوم غد (الثلاثاء). وقال بيان للمركز إن «التقارير التي يتم استدعاء النشطاء للتحقيق فيها أعدها جهازا المخابرات والأمن الوطني».
وشكل عبد المجيد لجاناً عدة للتحقيق في ما ورد في تقرير لجنة تقصي الحقائق التي شكلها مجلس الوزراء لمعرفة وضع منظمات حقوق الإنسان خلال تموز 2011، علماً بأن القضية يتابع التحقيق فيها مستشاران آخران تم انتدابهما للإسراع بالانتهاء منها وإحالتها إلى المحكمة.
وتنصب المخاوف حالياً على تأثير التعديل التشريعي، الذي أقره الرئيس عبد الفتاح السيسي للمادة 78 من قانون العقوبات، وينص على "عقوبة السجن المؤبد إذا طلب الشخص لنفسه أو لغيره من دولة أجنبية أموالاً بقصد ارتكاب أعمال تضر الأمن القومي وتمس استقلال البلاد ووحدة أراضيها أو تؤدي إلى الإخلال بالأمن والسلم العام".
يشار إلى أن لجنة تقصي الحقائق التي باشرت إعداد التقرير بأمر من مجلس الوزراء عام 2011، أوصت بمعاقبة المتهمين وفقاً للمادة 98 من القانون، التي تنص على "الحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر أو غرامة 500 جنيه لكل من أنشأ أو أسس جمعية غير مرخصة، أو طبق إحدى هاتين العقوبتين".
وفي تطور لاحق، أعرب وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، عن قلقه من إعادة فتح القضية، مؤكداً أنه يشعر بـ"قلق عميق من تدهور أوضاع حقوق الإنسان في مصر". لكن تصريحات كيري أثارت غضب نواب في البرلمان واعتبروها تدخلاً في الشأن المصري.
كذلك علق وزير الخارجية المصري، سامح شكري، بالقول إن "مصر لديها 40 ألف منظمة تعمل في مجال حقوق الإنسان وجميعها ملتزمة بالقانون المصري، بما يؤكد التزام الحكومة القيام بدورها تجاه هذه المنظمات"، مشيراً إلى أن جميع دول العالم لديها قوانين تحكم عمل المنظمات لحماية أوضاعها الداخلية.
وأشار شكري إلى أن الحكومة ترى أن الأموال التي تخصص للمنظمات الحقوقية من مخصصات دافعي الضرائب "يجب أن تكون موجهة للجهات التي تعمل وفقاً للقانون وليس لجهات يتولاها أشخاص يقومون بممارسات تضر بدولتهم، مع ضرورة أن تبقى أوجه إنفاقها تحت رقابة القضاء والجهات القضائية المستقلة".