تونس | تنتهي في منتصف نهار الغد المهلة النهائية التي حددتها المنظمات الراعية للحوار الوطني من دون التوصل الى اتفاق حتى يوم أمس حول شخصية رئيس الحكومة الجديدة، التي ستقود البلاد الى الانتخابات. لكن اللافت للنظر هذه المرة هو العزلة السياسية الكبيرة والملاحقات القضائية التي يواجهها الرئيس المؤقت محمد منصف المرزوقي، بسبب «الكتاب الأسود ـــ المنظومة الدعائية لنظام بن علي».

وبرغم اقتراب الموعد النهائي الذي أكد الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل حسين العباسي، أنه سيكون «نهائياً» و«باتاً» هذه المرة، فإنه ما من مؤشر واحد يؤكد اقتراب الأفرقاء السياسيين من التوصّل الى اتفاق حول شخصية ما، بل عاد الجدل حول القائمة الأولى قبل أكثر من شهر، التي تضم ١٨ اسماً، بما يعني انه ستجري مناقشة كل شيء من جديد.
في هذا الوقت تعيش تونس مرحلة حامية من الجدل والانتقادات حول كتاب الرئيس المؤقت، الذي سمته رئاسة الجمهورية بـ «كتاب الأسود»، إذ استهدف المرزوقي فيه أنصار بن علي والمستفيدين من نظامه ومعارضيه على حد السواء، وهو ما عدّه مستشار المرزوقي اليساري البارز عزيز كريشان، «خطأً سياسياً فادحاً».
وبالتزامن مع غضب جماهير نادي الترجي الرياضي التونسي ودعوة زعيم المعارضة الباجي قائد السبسي، الى اعلان «المجلس الأعلى للدولة»، أعلن الكاتب الصحافي الصافي سعيد، الحرب على «الرئيس المؤقت»، بعدما كان من أكثر مناصريه. والمعروف أن الصافي، الصحافي الذي عمل طويلاً في الصحف اللبنانية، شريك لرجل الأعمال شفيق جراية، المقرب من حركة النهضة، وقد أسّسا معاً جريدة «عرابيا». ولعل إعلان سعيد الحرب على الرئيس، ترجمة لموقف «النهضة» من المرزوقي، الذي يريد «الانقلاب» على الدولة، حسبما اتهمه سعيد في ندوة صحافية عقدها أول من أمس في تونس العاصمة.
سعيد قال إن الرئيس المؤقت هو أخطر رجل في تونس، وإنه مستعد للتحالف مع الشيطان ضد «النهضة». وكشف ان رئيس الديوان الرئاسي قال له في جلسة خاصة إن المرزوقي طوّع الجيش الذي أصبح تحت السيطرة، وانه كان وراء استقالة قائد الأركان السابق رشيد عمار، وانه سيُفشِل أي صفقة تحدث من وراء ظهر حزب الرئيس (المؤتمر من اجل الجمهورية).
الا أن ما كشفه سعيد نفاه رئيس الديوان الرئاسي عدنان منصر. رغم أن غالبية المحللين السياسيين يصدّقون سعيد ولا يصدّقون منصر، إذ إن المعطيات العملية في تونس تؤكد انزعاج المرزوقي من «الحوار الوطني»، وهو ما يفسّر رفض حزبه توقيع قارعة الطريق بما يمكّنه من إمكانية الاعتراض على أي توافق سياسي.
في هذا المناخ اقترح زعيم «نداء تونس» إعلان «مجلس أعلى للدولة» لتجاوز أزمة الشرعية، إذ إن المجلس التأسيسي بحسب مرسوم الانتخابات فقد شرعيته منذ أكثر من سنة. ومن شأن تأسيس مجلس أعلى للدولة على قاعدة الوفاق ان ينهي مشكلة الشرعية ويعيد الثقة في المؤسسات، سواء بالنسبة إلى المانحين الدوليين او الشارع التونسي، وأن ينهي ضمنياً هذا المشروع صلاحيات رئيس الجمهورية والمجلس الوطني التأسيسي، لكن هذا المقترح الذي فاجأ به عجوز السياسة التونسية حلفاءه قبل أفرقائه لم يتقبله الشارع السياسي بحماسة، اذ رفض الحزب الجمهوري وحزب المسار الاجتماعي الديموقراطي؛ وهما من مكونات «الاتحاد من أجل تونس»، الذي ينتمي اليه حزب السبسي، هذا المقترح في الوقت الذي ساندته فيه الجبهة الشعبية، وتحفظت «النهضة» عن ابداء الرأي قبل اجتماع المكتب التنفيذي، وهو ما يعني قبولها الضمني به.
ويبدو أن المشكلة التي يطرحها حزب نداء تونس، أقوى أحزاب المعارضة وأكثرها انتشاراً، هو ان الوصول الى توافق حول رئيس الحكومة لن ينهي المشكلة، ما دام هناك رئيس له صَلاحيات حق النقض، وكذلك مجلس تأسيسي. لذلك اقترح السبسي صيغة المجلس الأعلى للدولة، التي تعني عملياً إنهاء حكم المرزوقي والمجلس التأسيسي الذي تسيطر عليه أحزاب الترويكا الثلاثة، فهل يكون «المجلس الأعلى للدولة» هو البديل عن خارطة الطريق بعد فشل الحوار الوطني؟