نضال عبدالعال

رحت اتأمل سقف «الزينكو» واتنقل في جنبات المنزل واجري مقارنة بين قدرات «الكسا» وقدرات منزلنا الواقع على تلة مكشوفة في قطاع «أ» تطل على مخيم البارد القديم، ورحت احسب تقديريا سرعة الريح والجهات المتوقعة للهبوب منها.
خرجت بنتيجة محسومة لصالح «الكسا»! ان سقف بيتي، وفقا لتقديرات نشرات اخبار الارصاد الجوية في المحطات اللبنانية، سيكون مع انتهاء يوم السبت (أول من امس)، في قطاع «ب»! اي انه سيطير مئات الامتار شمالا، وفي حال هبوب الريح من الجهة المعاكسة؟ لا شك اني ساعثر عليه فانه في البلدة القريبة بحنين!

قررنا والعائلة الصمود واتخاذ ما امكن من اجراءات للمواجهة والخروج باقل الخسائر. هكذا وزعنا المهام على افراد العائلة، علي انا تركيب مدفأة الحطب بعد غسلها وتنظيفها، الابن الاصغر عليه احضار ما يستطيع من اخشاب يمكن اشعالها. وعلى ابني الاكبر ان يتأكد من ثقالات سقف «الزينكو»، ويزيد عليها اذا شعر بضرورة ذلك، واصلاح ما يمكن اصلاحه من ثقوب حتى لا تتسرب المياه الى داخل المنزل.
تولت ابنتي معالجة ما تستطيع من الفتحات الكثيرة حول الشبابيك، فهي ايضا في حال الريح الشديدة قد تتسبب بانهيار في الداخل. بينما تولت زوجتي الاشراف على سير العمل بأكمله، فكانت بمثابة ضابط الاركان الذي يتابع التنسيق بين مختلف المهام. نحن نجهز ساحة الميدان و«الكسا» على وشك القدوم ولا سبيل لنا الا الانصراف لاتمام التجهيزات المطلوبة، وخصوصا ان متابعة تقديرات الارصاد الجوية اللبنانية يزيدنا رعبا، وكأنهم في صف «الكسا» يسلطون معها علينا حربا نفسية تمهيدية منسقة!
قرر ابنائي عدم متابعة نشرات الاخبار حتى لا تنال من صمودهم ومعنوياتهم، واخترت انا متابعتها لانه من الضروي الالمام بكل ما يستجد من اخبار العدو وهو يحشد قواه الفتاكة حسب المصادر الموثوقة من مختلف الفضائيات. خبرتنا، زوجتي وانا في سقف «الزينكو»، جيدة. فقد سكنا سابقا في المخيم القديم. في الدار كانت المنازل كلها من «الزينكو» ولكنها ملتصقة بعضها ببعض فتسند الواحدة الاخرى، كنا نجلس حول الموقدة «كانون الفحم» غير ابهين بما حولنا، فلم يكن لدينا تلفزيونات او فضائيات تجعلنا طرفا في معارك وهمية متوقعة! والراديو الخشبي له وظيفتين فقط: اما اخبار بي بي سي «لندن» فترة الظهيرة، او ام كلثوم مساء على صوت العرب. ليل الثلاثاء والاربعاء كان طويلا جدا. كان الموعد المتوقع لبدء المواجهة. الاعصاب مشدودة والكل في حالة تأهب غير عادية، كلما سمعنا صوت ريح تحرك شيئا فوق سقف بيتنا، قلنا ها هي اتت! ثم نكتشف ان ما يجري اقل من عادي. صباح الاربعاء كان عاديا ايضا كأي يوم من ايام كانون في فصل الشتاء، وثم نهار الخميس وصباح الجمعة. «الكسا» انهارت قبل ان تصل لبنان! لكن لبنان كاد ان ينهار قبل ان تصل الكسا! في الحالتين ثمة اناس يقعون ضحايا سواء اكان ذلك نتيجة التقصير في الخدمات، أم التهويل والمبالغة.
سقف بيتي لم يغادر مكانه لا شمالا ولا جنوبا، فالتي سمّوها عاصفة، كانت مجزد ايام شتاء عادية. اما الحرب النفسية التي شنت علينا على مدار ايام، فد نالت منا اكثر مما فعلته الريح او البرد او المطر. تذكرت قولا لابن اخي المولود في السويد، كان يردده مازحا بعد ان سمعه مرة من سائق تاكسي كان يقله من المطار الى المخيم، فقد كان الرجل يجيبه كلما سأله بالتالي «كل شي في بلبنان خيي».
نعم كل شي في لبنان بلا ادنى شك!