دمشق | أكّد البطريرك غريغوريوس الثالث لحام، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك، أن سوريا تعيش مأساة تطال كل السوريين. ولفت، في حديث الى «الأخبار»، الى أنّ الأزمة هجّرت حتى الآن حوالى ستة ملايين سوري، معظمهم مسلمون، علاوةً على مئة وعشرين ألف ضحية معظمهم مسلمون، «وطال التخريب حوالى خمسمئة مسجد، كما طال حوالى ستين كنيسة. من هنا يبدو واضحاً أن المأساة لم تستثنِ أحداً من أبناء سوريا».


وقال لحام: «بعض التكفيريين دخلوا على الخط، وأفسدوا المعارضة السورية. ويبدو جليّاً أن لدى هؤلاء فكراً تكفيريّاً يطال بالدرجة الأولى المسيحيين، كما يطال العلويين والدروز وكل من لا يعتنق فكرهم ورأيهم وشريعتهم، هؤلاء يستهدفون الجميع. وقد استهدفوا بشكل خاص أخيراً المسيحيين بوصفهم الحلقة الضعيفة، كما رأينا في معلولا وصدد. لكن الأكيد أن هؤلاء غريبون عن الثقافة السورية، وحتى المسلمون يخافون منهم». وعن المخاوف من اقتلاع مسيحيي سوريا من جذورهم، أكد لحّام «أننا بعون الله صامدون وباقون. وإذا كان هنالك من يراهن على اقتلاع المسيحيين من سوريا ومن المشرق فهو واهم. نحن منذ القديم نعيش معاً، سوريين من جميع الانتماءات. وهذه إحدى أهم مزايا سوريا بشكل خاص، والشرق بشكل عام»، وشدّد على أن «الشرق من دون مسيحييه سيفقد هويته حتماً». وقال: «السيد المسيح بنى الكنيسة على الصخر فلن تتزعزع. صحيح أن كثيراً من أبنائنا هاجروا وآخرين يسعون إلى الهجرة، لكننا باقون، ولو انخفضت أعدادُنا. ونشجع أولادنا دائماً على البقاء في وطنهم، والتمسك بهويتهم، مقدساتهم، حضارتهم، تراثهم، وثقافتهم. نشجعهم على البقاء إلى جانب إخوتهم المسلمين». وأضاف: «لدينا تاريخ مشترك، ويجب أن يكون هناك تصميم مسيحي ـــ إسلامي مشترك على البقاء بعضنا مع بعض. لا يجوز أن يكون هناك تفكير من قبيل: أنا سأبقى، بل: نحن سنبقى. يمكن أن نبقى. نريد أن نبقى. ويجب أن نبقى. أظن أن هذا الشعار يجب أن يكون مرفوعاً من قبل الجميع، وقد قلت في رسالة الميلاد: اعطوني عالماً عربيّاً إسلاميّاً متَّحداً، أضمن لكم بقاء كلّ أولادي».

نحاول القيام بواجبنا

وعن الجهود التي بذلتها الكنيسة بالعموم، والبطريركية الكاثوليكية على وجه الخصوص قال لحام: «أحب أن أؤكد لأبنائنا أننا لم نتوانَ يوماً عن القيام بكل ما نستطيعه. بذلنا الكثير من الجهود منذ بدء الأزمة. ومنذ عام 2011 قامت البطريركية بتقديم مساعدات إلى المتضررين من الأزمة، من المسيحيين وغير المسيحيين، ويقدر متوسط المساعدات شهرياً بحوالى 40 ألف دولار. وقمنا، ونقوم، بدورنا على صعيد توضيح حقيقة ما يجري في سوريا للرأي العام العالمي، وللجهات الدولية، كنسيةً كانت أو سياسية. وشاركتُ شخصياً في كثير من اللقاءات والاجتماعات، وقدّمت عدداً من المقترحات. وعلى سبيل المثال دعوت في اجتماع مجلس الكنائس العالمي في جنيف في 18 أيلول إلى حملة كنسيَّة، تقوم على أسس ثابتة: لا سلاح، لا عنف، لا حرب، بل سلام ومصالحة وحوار، وضرورة الذهاب إلى جنيف2، إضافة إلى العمل على متابعة العيش المشترك المسيحي الإسلامي في المشرق العربي».

لقاءٌ كنسي في جنيف

وكشف البطريرك لحّام لـ«الأخبار» أنّ مجلس الكنائس العالمي دعا إلى لقاءٍ جديد ينظمه في جنيف الشهر المقبل، وقبل انعقاد «جنيف 2» بأسبوع، لتقديم الرؤى والمقترحات، والخروج بورقة عمل سعياً لدفع العملية السياسية وإيقاف شلال الدم. وعن مؤتمر «جنيف 2» المزمع عقده في 22 كانون الثاني المقبل قال لحّام: «نصلّي لانعقاد المؤتمر ونجاحه. وآمل أن ندعى، أنا وغبطة البطريرك يوحنّا العاشر يازجي (بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس)، وغبطة البطريرك مار إغناطيوس زكا الأول عيواص (بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس) إلى جنيف 2، وإن بصفة مراقبين، للقيام بدورنا في تقريب وجهات النظر بين أبناء الوطن الواحد، سعياً لتحقيق المصالحة. فنحن لسنا مع نظام معين، بل مع سوريا الدولة والوطن الذي يتسع لجميع أبنائه ويضمن لهم السلام». وفي شأن ملف خطف مُطراني حلب للروم الأرثوذكس بولس يازجي والسريان الأرثوذكس يوحنا إبراهيم، أوضح البطريرك لحّام أنّه على تواصل دائمٍ مع البطريركين يازجي وعيواص، وقد تحادث معهما أخيراً في هذا الشأن، وأعلماه أن لا جديدَ قد طرأ على الملف، الأمر الذي ينطبق على ملف راهبات معلولا المختطفات. وجدّد لحّام عبر «الأخبار» صلواته من أجل حماية الراهبات، وتأكيده أنّه «حيثُ كُنّ موجودات فهناك دير. بصلواتهنّ الدائمة هناك دير. ونصلي من أجل سلامتهنّ، وسلامة المطرانين الحبيبين، ومن أجل إنهاء هذين الملفين بخير».
وأوضح البطريرك لحّام أنه سيكون موجوداً لمناسبة عيد الميلاد في مصر، «جرياً على تقليد قديم، للقيام بجولات على أولادنا وكنائسنا، وتفقد أحوالهم، لكنّ سوريا ستكونُ حاضرةً في قلوبنا وصلواتنا بالتأكيد». كذلك كشف أنّ «صلاةً مشتركة ستقام لمناسبة الميلاد المجيد يوم الثلاثاء في الكنيسة المريمية في دمشق، يشارك فيها المسيحيون من جميع الطوائف، كما يشارك فيها المسلمون». وتمنّى لحّام على البابا فرنسيس «ألا يكتفي في مناسبة الميلاد المجيد بالصلاة من أجل سوريا فحسب، بل أن يوجه رسالة خاصة إلى السوريين المشاركين في الصلاة المشتركة في دمشق».
ص. ع