صنعاء | بخلاف المناخ الذي ساد في الأيام الأخيرة، تراجعت يوم أمس الآمال المعقودة على اقتراب الحل للأزمة اليمنية ووقف الحرب مع مغادرة المبعوث الدولي إسماعيل ولد الشيخ العاصمة صنعاء على نحو مفاجئ، في وقت وردت فيه معلومات عن أن الاتفاق بين ولد الشيخ والقوى السياسية في صنعاء اقتصر على عقد محادثات جديدة في الكويت من دون تحديد موعدها.
وبعد ثلاثة أيام من زيارته صنعاء، غادر ولد الشيخ متجهاً إلى الرياض من دون عقد مؤتمر صحفي. وأشارت وكالة «الأناضول» إلى أن زيارة المبعوث الدولي «لم تخرج بأي نتائج إيجابية»، إذ إن حركة «أنصار الله» وحزب «المؤتمر الشعبي العام» تمسكا بوقف تام لإطلاق النار وبرفع الحصار الجوي والبحري قبل التوجه إلى المحادثات، ما قد يقلّل من حظوظ التوافق السياسي، ولا سيما مع استمرار المواجهات العسكرية المترافقة مع غارات جوية متقطعة في أنحاء البلاد، في حين أن اتفاق التهدئة شمل الشريط الحدودي بين البلدين فقط.
وكان ولد الشيخ، وفقاً لـ«الأناضول»، قد أبلغ «أنصار الله» و«المؤتمر» بأنه ستُقَرّ هدنة على مستوى المعارك والغارات الجوية والحدود، وهو ما رفضته «أنصار الله» مشترطةً وقف إطلاق النار في جميع المدن ورفع الحصار، ما أفشل اللقاء بولد الشيخ الذي غادر بسرعة.
وفي سياق متصل، ظهرت مؤشرات «إيجابية» من طرف الفريق السياسي للرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي، إذ أكد وزير الخارجية في حكومته، عبد الملك المخلافي، قرب انطلاق المحادثات مع «أنصار الله»، قائلاً إن «الحوثيين سيكونون شركاء في الوطن خلال الفترة القادمة شرط ترك السلاح والاستقواء». وبنبرةٍ «هادئة»، أشار المخلافي إلى أن حكومته «لم تختر الحرب قط»، مضيفاً: «أجبرنا على الحرب وهي كره لنا، نحن على استعداد لأن نذهب للسلام، نحن ذهبنا إلى سويسرا، ووصلنا مع الانقلابيين (الحوثيين) برعاية العالم كله إلى اتفاق حول بعض المسائل سميناها بناء ثقة، منها الإفراج عن المعتقلين، وفك حصار المدن والإغاثة، لم ينفذ منها شيء». وتابع قائلاً: «نحن الآن مجدداً نقول سنذهب إلى أي مكان وزمان، لنوفر يوماً واحداً من القتال في بلدنا، هذا هو موقفنا ونلتزم به».

المخلافي: الحوثيون سيكونون شركاء في الوطن في المرحلة المقبلة


تفاؤل حذر في صنعاء

وفي ظلّ الأنباء المتزايدة في الأسبوعين الأخيرين عن احتمال وقف الحرب وانطلاق العملية السياسية، بدأت الحياة العامة في اليمن بالتعافي نسبياً، برغم تلقي المواطنين تلك الأنباء بحذر وريبة، إذ يرى اليمنيون أن تجارب الهدن السابقة الفاشلة لا تشجع على التفاؤل.
وتشهد العاصمة صنعاء حركة يومية اعتيادية لا تختلف كثيراً عن حركتها المعتادة ما قبل الحرب. إلا أن زحمة الناس في الشوارع والأسواق والمؤسسات لا تخفي معاناة هؤلاء التي تفاقمت خلال السنة الأخيرة. فالمدينة الكبيرة تعد حالياً مأوى النازحين والفارين من مناطق المعارك والمواجهات وسيطرة «القاعدة»، في مقابل الأرياف التي افتقدت الكثير من مقومات العمل والعيش الضرورية مثل الإمكانات الزراعية والصناعية والخدمية أيضاً، الأمر الذي رفع نسب البطالة وترك آثاراً سلبية على مستوى الناس المعيشي هناك.
وكانت تأثيرات الحصار الذي فرض على اليمن منذ عام قد ظهرت بصورة كبيرة في الأشهر الخمسة الأولى للعدوان، ثم بدأت الأمور بالتطبع تدريجاً بعد ذلك مع خلق بدائل معيشية وخدمية وتمكن مؤسسات الدولة من امتصاص «الصدمة الأولى» وقدرتها على السيطرة على إيقاع الحياة وضبط أداء سلطة الدولة على كل الصعد، وهو ما أنتج توازناً وانتعاشاً ملموساً في السوق المحلية وتوافر فرص الاستيراد، ولو بوتيرة أقل من الوضع الطبيعي بكثير.
وفي هذا الشأن، أكد مصدر في «اللجان الرقابية» في صنعاء أن مؤسسات الدولة تمكنت من إعادة ضبط إيقاع العمل المؤسسي بصورة تدريجية، وهو ما أعاد الدينامية للحياة العامة، لافتاً إلى أن الاستيراد يجري عبر فتح اعتمادات مستندية من البنك المركزي الذي لا يزال يشرف على كل التعاملات في كل البلاد، حتى في مناطق النزاعات وفي مناطق تحت سيطرة المسلحين.
وبرغم خروج بعض المناطق عن سيطرة الجيش و«اللجان الشعبية» وسلطات صنعاء، لم يمنع هذا الواقع مؤسسات الدولة من العمل في تلك المناطق باعتبارها تتبع السلطة المركزية في العاصمة. ويقول خبير اقتصادي إن استمرار الاتصال بين المؤسسات الحكومية في العاصمة وبين فروعها في جميع المحافظات يخفف من حدة الأزمة الاقتصادية ويُسهم في بقاء الاستقرار في السوق، معتبراً أن صرف الرواتب وتقديم الخدمات عبر فروع المؤسسات يشعر المواطن بوجود الدولة، وبالتالي يخلق اطمئناناً في السوق.
وإلى جانب الوضع الانساني في مناطق النزاع نفسها والتي تؤثر فيها المواجهات والغارات الجوية مباشرةً، فإن المناطق الواقعة تحت سيطرة «التحالف» في الجنوب وتحت سيطرة المجموعات المسلحة في مأرب وبعض مناطق تعز مثلاً، تشكو بشكل أساسي من ممارسات المجموعات المسلحة التابعة لحزب «الإصلاح» و«القاعدة». فتلك المناطق شهدت سرقات كبرى لمصارفها إلى جانب إغلاق مكاتب حكومية أو إيقاف محطات الاتصالات وابتزاز الشركات وإجبارها على دفع إتاوات. وبحسب مصادر في عدن وأخرى في حضرموت، حاول «القاعدة» و«داعش» إجبار مكاتب الواجبات هناك على تحصيل الضرائب من التجار والمكلفين في عدن وحضرموت لمصلحتها، غير أن تلك المكاتب رفضت مؤكدةً أنها لا تستطيع القيام بذلك إلا بإذن من الوزارة في صنعاء.