سيناء | لم يدرك مساعد وزير الداخلية لأمن شمال سيناء، سيد الحبال، خلال نزوله إلى شوارع مدينة العريش ليتفقد الحالة الأمنية أنه سيواجه موقفاً محرجاً للغاية، وهو يطمئن المارة إلى الوضع الأمني، وأن كل شيء تحت السيطرة، عندما اقترب منه نائبه وأخبره أن هناك هجوماً إرهابياً على حاجز «الصفا»، في جنوب المدينة.
و«الصفا» هو الحاجز الثاني بعد حاجز «الريسة»، شرقي العريش، وقد استهدف المسلحون كلا الحاجزين لنحو 44 مرة، علماً بأن الحاجز الأول يبعد كيلومترين فقط عن مركز العريش، التي تعتبر عاصمة شمال سيناء.
لكن الهجوم قبل يومين على هذا الحاجز هو الأضخم والأشد بعد الهجوم الشهير على حاجز «كرم القواديس» في جنوب الشيخ زويد، وأصاب قيادات الأمن بالصدمة الشديدة، خاصة أركان وزارة الداخلية التي أكدت في غير مرة أن سيناء ستكون «خالية من الإرهاب خلال النصف الأول من 2016»، وهو الأمر الذي بات ضرباً من المستحيل، في ظل توالي ضربات عناصر «ولاية سيناء».
وهاجم مسلحون من «ولاية سيناء» قبل نحو شهر ونصف، ارتكازاً أمنياً وسط ميدان «العتلاوي»، أحد أهم ميادين العريش، وأجهزوا على قوة الكمين بقتل تسعة جنود بينهم ضابطان وعنصر أمن، ثم حاول أحد المسلحين الفرار بمدرعة تابعة للشرطة، لكنهم تركوها على مقربة من موقع الهجوم بنحو 200 متر.

مُنعت سيارات الإسعاف من الوصول إلى الحاجز لساعات

أما الهجوم على «الصفا»، فبدأ بواسطة سيارة مفخخة، تبعه هجوم بقذائف الهاون والأسلحة الثقيلة والخفيفة، كما ورد في بيان «ولاية سيناء»، الذي أعلن أن الهجوم سيكون بداية سلسلة هجمات «رداً على تفتيش النساء وإهانتهن على الحواجز».
وأدى الهجوم إلى مصرع 18 مجنداً، بينهم ثلاثة ضباط، اثنان برتبة نقيب، وآخر برتبة ملازم أول مع عنصر شرطة، قضوا جميعاً في موقع الهجوم ونقلتهم سيارات الإسعاف إلى المستشفى العسكري في العريش بعد عدة ساعات، بسبب منع المسلحين السيارات من الوصول إلى الحاجز. ولا يزال في عداد المفقودين حتى الآن ضابط وثلاثة جنود، وفق تأكيد مصدر أمني في مديرية أمن شمال سيناء،
ثمة قراءتان لهذا الهجوم، الأولى يرى فيها الخبير في شؤون الحركات الإسلامية عماد جاد، أن ما جرى سببه التقصير في إجراءات التأمين، والثانية تقول إن العملية جاءت «نتيجة الضغط المستمر على اﻹرهاب»، فضلاً عن محاولة تشتيت قوات اﻷمن.
لكن جهادياً سابقاً يدعى صبرة القاسمي، حذّر من تغير في خطط العناصر والمجموعات الإرهابية في سيناء، وهذا ما يجعلها تحدث تنقلات مستمرة في مناطق عملياتها، كما يقول. وتوقع في حديث إلى «الأخبار»، تزايد وتيرة ونطاق العمليات الإرهابية قريباً، لمحاولة إحداث نوع من التشتيت لقوات الأمن من جهة، وتخفيف الضغوط عليها من جهة أخرى. وطالب القاسمي بناءً على خبرته، أجهزة الأمن، بأن تعتمد على جمع المعلومات بكثافة عن تلك الجماعات وأماكن وجودها، وأن توجه إليها دائماً ضربات استباقية، إلى جانب ضرورة قطع طرق الإمدادات التي تعتمد عليها.
من جهة ثانية، يرى المتخصص زكريا حسين أن ما يحدث في البلاد من إرهاب ليس حالة خاصة، فالإرهاب «حينما ضرب الولايات المتحدة الأميركية ظلت نحو عشر سنوات في حرب معه... سيكون من الصعب ملاحقة تلك العناصر الإجرامية، لأنه عمل تقوم به جماعات منظمة ومدربة جيداً، ولا يمكن القضاء عليها في مدة قصيرة». يضيف حسين في حديث إلى «الأخبار»، أنه برغم حدوث تلك العمليات المتباعدة «التي صارت وتيرتها تنخفض بصورة ملحوظة»، فإن «القوات المصرية نجحت حتى الآن في كبح جماح هذه الجماعات»، متوقعاً استمرار تلك العمليات الإرهابية في ظل «وجود دعم إقليمي ودولي لها».
في المقابل، يؤكد الخبير الأمني العميد محمود قطري، أن هناك قصوراً شديداً في إجراءات التأمين، خاصة الإجراءات الاحترازية، مرجعاً ذلك إلى عوامل منها ضرورة أن تعدل مناهج وأساليب تدريب القوات المشاركة في تلك المناطق، وأفراد الشرطة عموماً. وأضاف قطري أن «القيادات الشرطية الآن صار شغلها الشاغل جمع الأموال فقط والحصول على امتيازات مادية من الوزارة، وهذا يؤدي في النهاية إلى إهمال جسيم في المنظومة الأمنية وقصور واضح في أدائها».
إلى ذلك، وصل إلى مديرية أمن شمال سيناء، أول من أمس، وفد أمني رفيع اجتمع مع مدير الأمن وقيادات المديرية، وناقش جوانب القصور التي تجعل من القوات صيداً سهلاً، خاصة على الحواجز والارتكازات الأمنية داخل العريش وفي محيطها. ونقلت مصادر أن القيادات الأمنية شكت ضعف التسليح، وتفوق المسلحين على القوات في التسليح بالمقارنة بين طول ساعات الخدمة بالنسبة إلى الأفراد والمجندين، التي تمتد لنحو 12 ساعة و24 ساعة وسط ظروف جوية صعبة. في المقابل، وعد الوفد الأمني بتزويد الحواجز بكاميرات حديثة، وتسليح الأفراد والجنود تسليحاً ملائماً، بجانب تزويد الحواجز بكاسحات ألغام وسيارات انتشار سريعة.