في حلوق المصريين غُصَّة من قطار السيسي. قضية صنافير وتيران، لُقمة مسمومة، لن يمررها أبناء النيل، إلى بطونهم أبدا، حتى لو مررها قائد القطار، والراكبون معه، في غرفة القيادة. المصريون لديهم علاقة غرام عميقة مع الأرض، حسّاسة جدا مع فكرة الدولة المصرية. التاريخ، كتب هذا منذ آلاف السنين، لكن قائد القطار (الرئيس المصري) لا يتوقف عن الركض بعيدا عن هذه الحقيقة. لم يتوقف منذ تولى السلطة، في المحطة الشعبية. الناس يلوّحون، ولا ينتبه. يتلمّسون له الأعذار، وهو لا يهتم، ولا يقدّر: (الرئيس يحارب الإرهاب؛ البطل حمل كفنه على أكفه أيام الإخوان؛ هناك مؤامرة لتقسيم مصر؛ البلد مِش مستحملة مظاهرات، عايزين يفككوها؛ الإخوان كانوا عايزين يبيعوا سيناء لبتوع حماس).
سائق القطار، لم يُدرك، إلا متأخرا (يعقد اليوم لقاءً مع ممثلي المجتمع المصري، لشرح قضية ريجيني، وجزيرتي صنافير وتيران) أن محطة زيارة سلمان، ملك السعودية، أثقلت سلّة الأعذار، التي ضخها المترقبون، المتعاطفون، فوقعت فوق الأرض، وانفجرت. طارت الأسئلة الكبيرة في السماء: (هل يعتقد السيسي أنه رئيس دولة مجاورة؟ هل يشكّك في أن صبر المصريين لا ينفد؟).

لم يدرك سائق القطار إلا متأخرا أن محطة سلمان أثقلت سلّة الأعذار

في عام 1938 كان المصريون، يسمون القطار «وابورا». كتب وقتها، الشاعر أحمد رامي، ولحن وغنى موسيقار الأجيال، محمد عبد الوهاب، «يا وابور قول لي رايح على فين. عمال تجري قبلي وبحري. تنزل وادي تطلع كوبري. حوِّد مرة وبعدين دُغري؟». على وقع هذه الأغنية، نقول إن «وابور السيسي»، ليس كـ«وابور عبد الوهاب ورامي»، يأخذ ويُعطي معك، يحوّد يمينًا، ويسارًا، ليوصل الركاب إلى محطاتهم، فقطار السلطة الحالية، لا يتلفت إلى مخلوق. يركض، ويصعد، على ما يبدو، إلى محطة بعيدة في المجهول.
قطار السلطة، مرّ بمحطات كثيرة، فوق قضبان مهترئة. ها هي قضية الجزيرتين المصريتين، في البحر الأحمر، تزكم الأنوف. المخرج، ساذج، والجمهور واعٍ، ومتمرّس. هناك دعوة جادّة لتحركات جماهيرية يوم الجمعة المقبل، والقضايا المرفوعة على السيسي، ورئيس الوزراء الحالي، شريف إسماعيل، تتوالى، وهناك ترتيبات لفعاليات شعبية أخرى. الإختبار الأول في جمعة الأرض. اقتراحات سياسية بطبع استمارات مثل استمارة «حركة تمرد»، بالتوقيع والرقم القومي، تحت اسم «استمارة الأرض»، ملصقات وغرافيتي «عوّاد باع أرضه» فوق الجدران، في القاهرة، وباقي ربوع المحروسة. الغضب يتزايد، والحكومة المصرية، تقول إنها كانت دولة محتلة، وتُخرج وثائق، غير حقيقية، تبرر بها أن صنافير وتيران، سعوديتان. القوى السياسية، تتواصل مع بعضها بعضاً الآن. أحد الأحزاب السياسية (حزب الدستور) طالب بضرورة «اعتذار السيسي والحكومة للشعب المصري».
الجو الشعبي ساخن، وقائد القطار يمسح عرقه، ولا يجد من يناوله المنديل، عدا بعض وسائل الإعلام، والصحف المتخندقة، مع الرئيس. الزميلة «المصري اليوم»، حذفت مانشيتها أمس، بأوامر أمنيّة (جزيرتان ودكتوراه لـ«سلمان».. والمليارات لـ «مصر»). استبدلته الجريدة المسكينة بمانشيت آخر: (حصاد زيارة سليمان: اتفاقيات بـ25 مليار دولار). الجميع علم بالواقعة، وقهقه. الصورة بانت للقراء الذين يعرفون كيف تؤكل المعلومة الطازجة، في زمن الصحافة المذبوحة على أرصفة السلطة.
الحكومة في مأزق، تبحث عن أي مخرج. تُخرج وثائق من هنا وهُناك، لتُثبت أنها حكومة سعودية، لا مصرية. الدكتور محمد البرادعي، ينفى ما نسبته إليه هذه الحكومة (المتسعوّدة): «ما ذكرته عام 1982 هو أن صنافير وتيران تحت السيطرة والاستحواذ المصري، والسعودية تدعي أنهما جزء من أراضيها. لم أتعرض لمسألة الملكية، التي تحسم طبقا للوقائع والوثائق التاريخية، والاحتكام للقانون الدولي. القضايا لا تُحل بالغوغائية، والتحريف». نطق الرجل، وكذّب حكومة شريف إسماعيل. هؤلاء مجانين، يبررون بيع ترابنا الوطني للكفيل، يا فضيحتنا أمام العالم، تقول الناس الغاضبة في وسائل النقل العامة، والبيوت.
هناك عطب كبير، ظاهر الآن، في «وابور» السيسي. جدل الجزيرتين، يثير الغبار، ويحجب الرؤية، أمام سلطة، لا تدرك، أن شعبيتها، في الحضيض. قائد الوابور، مرّ بمحطات كثيرة، ولم يدرك أن العجلات تصرخ؟ الواقع يقول ألف نعم. فقبل وصوله إلى محطة سلمان، مرّ بمحطات كثيرة، أولاها محطة الحرب على الإرهاب، في سيناء، وحدوتة المؤامرة التي تُحاك لتقسيم مصر وتفكيكها. لم تتوقف الحرب على الإرهاب، ولم يتوقف الإرهاب أيضا، وها هي مصر تفقد جزءا من لحمها ودمها، في البحر الأحمر. وهنا، لا يمكن تجاوز، محطة قناة السويس، التي تراجعت إيرادتها، إلى 5.4 مليارات دولار، مع تراجع أسعار النفط، وتحويل السفن العالمية، مسارها إلى طريق رأس الرجاء الصالح. مليارات كثيرة دُفعت لحفر القناة الجديدة. المصريون يضعون أيديهم على قلوبهم (أرباحنا فين يا حكومة؟).
«وابور السيسي»، عازم على إخراج الشعب المصري، من المعادلة. في مسيرة هذا الـ«وابور»، محطات داخلية وخارجية، مُربكة، أبرزها الإخفاق في محطة سدّ النهضة، ومحطة انهيار الوضع الاقتصادي. في محطة تالية، نجد تراجعا فجّا في ملف الحريات وزيادة في أعداد المعتقلين. محطة ريجيني، متعثرة بالطبع. المخرج المصري، يُثير غضب الجمهور الإيطالي، والإتحاد الأوروبي. الأخير يتهم مصر باعتقال آلاف الناشطين السياسيين، والسلطة تضحك. لا آمال كبيرة، معقودة، على غرفة قيادة القطار. النظّارة السوداء لن تُفيد، وقضبان «الوابور»، مُرفق معها، عُمر افتراضي.