باريس | يعيب مَن هم خارج صفوف «المجلس الوطني السوري» على هذا التنظيم الذي تأسس في إسطنبول، عدم احترامه لباقي مكوّنات المعارضة السورية، ولجوء بعض أقطابه إلى العنف والإقصاء لتهميش من يخالفونهم الرأي. أما داخل المجلس، فقد ارتفعت أصوات عديدة للتعبير عن استيائها من «هيمنة» مجموعة صغيرة من القيادات المحيطة برئيسه، الدكتور برهان غليون، داعيةً إلى «مأسسة» أداء المجلس، والنأي به عن «الفردية» و«التسلُّط» و«العقلية الأحادية».


يرى الدكتور هيثم منّاع، رئيس «هيئة التنسيق الوطني» في المهجر أن «من الطبيعي أن يحاول كل طرف سياسي تقديم نفسه باعتباره الأفضل في الأداء والبنية والبرنامج، فذلك جزء من مشروع عملية التعبئة السياسية والشعبية»، لكنه يستدرك بأن المرفوض هو تعامل «المجلس الوطني» بمنطق «الهيكل القائد للثورة والمجتمع الذي يذكّرنا بالحزب القائد للدولة والمجتمع، فنحن لم نحارب المادة الثامنة من دستور العام 1973 لكي نعود اليوم لنسقط في المنطق نفسه».
من جهته، يقول الناشط في «تجمع الجاليات السورية في المهجر»، فهد المصري إنه «في البداية، رحّبنا بتأسيس المجلس الوطني، واعتبرناه خطوة نحو توحيد صفوف المعارضة. لكن، اتضح لنا يوماً بعد يوم، أنه يعمل على عكس ذلك، إذ إنه لا يتردد في ممارسة التسلط والعنف والإقصاء ضد أي جهة تعبّر عن رأي مغاير، سواء خارج المجلس أو حتى داخله».
يردّ الدكتور منذر ماخوس، نائب رئيس لجنة العلاقات الدولية في «المجلس الوطني» على هذه الانتقادات باعتبار أنّ ما يُقال عن نقائص وأخطاء «المجلس» فيه الكثير من المبالغة. ففيما يعترف بوجود «نقائص كثيرة في أدائه»، سواء على الصعيد الداخلي أو في علاقاته بباقي أطياف المعارضة السورية، يعزو ذلك أساساً إلى كون مؤسسات «المجلس» عبارة عن أُطر مؤقَّتة لم تكتمل بعد. غير أن ماخوس لا ينكر في الوقت نفسه وجود عوامل أخرى «لا تشجع على التعامل بأسلوب ديموقراطي»، ويضعها في خانة «تراكمات غياب أي فضاء للعمل السياسي الديموقراطي في سوريا على مدى عقود، مما ينعكس حتماً في عادات وتصرفات البعض، وهو ما يفسر بالفعل العديد من حالات الإقصاء»، من دون أن يتفق مع الرأي الذي يفيد بأن الأمر نابع عن رغبة أو خطة متعمدة لإقصاء أطراف أو أشخاص أو تيارات أخرى.
بدوره، يرى صالح مسلم، رئيس حزب «الاتحاد الديموقراطي الكردي السوري»، المنضوي في «هيئة التنسيق»، أن إشكالية «المجلس الوطني» لا تكمن في الأفراد، بل في «طبيعة تركيبته السياسية». ويشير في هذا الصدد إلى أنه تم تشكيل «المجلس الوطني» على عجالة إثر تصريح لوزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون كشفت فيه أن الرئيس باراك أوباما لن يستقبل المعارضة السورية لأنها ليست موحدة. تصريح يرى مسلم أنه كان وراء الاستعجال في تأليف «المجلس» من قبل الأطراف «التي راهنت على نفوذ الحلف الأطلسي والتدخل الخارجي». أسباب أدّت إلى تأسيس «المجلس» من دون الاتفاق على برنامج أو منهج سياسي واضح وفق تعبير المسؤول السوري الكردي، إضافة إلى سبب موجب آخر في الاستعجال بتأليف «المجلس»، وهو استباق الوقت قبل انعقاد مؤتمر «هيئة التنسيق الوطنية» على حد تعبيره. ويعود مسلم ليضع مشكلة «هيئة التنسيق» مع «المجلس» على النحو التالي: إن العامل المشترك الأبرز بين القوى المنضوية في «المجلس» هو الرهان على دعم القوى الغربية للاستقواء بها على بقية أطياف المعارضة وعلى الحراك الشعبي الداخلي، وفق رأيه. من هنا، يخلص مسلم إلى أن «خلافنا مع المجلس ليس صراع أشخاص، بل هو خلاف سياسي، لكون هذا المجلس مرتبطاً بأجندات خارجية، أما نحن (في هيئة التنسيق)، فنريد أن نتّخذ من الديناميكيات الداخلية للمجتمع السوري أساساً للتغيير الديموقراطي، من دون الاستنجاد بالقوى الأجنبية أو التدخل الخارجي».
رأي يعلّق ماخوس عليه بوصفه أنه لا يخلو من التجنّي، على قاعدة أنه «يوجد داخل المجلس الوطني من يؤيد التدخل الأجنبي، مثلما يوجد من يرغب بذلك خارج المجلس، لذا، لا ينبغي التعميم». لذلك يشدد ماخوس على أنه قادر أن يؤكد «وجود العديد من الأطراف الوطنية المخلصة داخل المجلس ممن يبذلون محاولات جادة لجعل أساليب التعبير أكثر ديموقراطية ولتطوير آليات عمل المجلس لتتسم بطابع العمل المؤسساتي والممنهج». غير أنه يعترف في المقابل بأنه «للأسف، لا نزال بعيدين عن ذلك، فرغم الجهود الكبيرة التي تُبذل، لا تزال هناك العديد من الأخطاء والنواقص، ونحن نبذل كل ما في وسعنا من أجل تداركها وتصحيحها».
كلام لا يقنع فهد المصري الذي يجزم بأن «العقلية الإقصائية» التي يتعامل بها «المجلس الوطني» ليست مجرد هنات أو أخطاء يمكن تداركها. ويلفت إلى أن الإشكالية أكثر تعقيداً من ذلك، لأنها «لا تقتصر فقط على علاقات المجلس بباقي أطياف المعارضة السورية، بل تلقي بظلالها أيضاً على الأسلوب الذي يُدار به المجلس من داخله»، إذ إن «آليات اتخاذ القرار في صفوفه قائمة على الإقصاء والتفرد بالرأي». وبكل ثقة، يجزم المصري بأن «المجلس» يتحكم فيه حالياً ثلاثة أشخاص فحسب، هم أحمد رمضان وعبيدة النحاس ومحمد فاروق طيفور. ويصل به الأمر إلى اعتبار أنه «حتى رئيس المجلس، الدكتور برهان غليون، يُدار سراً من قبل هذا الثلاثي، أما باقي الأعضاء فهم لا يُشرَكون في اتخاذ القرار، ومعظمهم لا يبلغون أصلاً بما يعتزم المجلس القيام به من نشاطات أو مبادرات». وعن هذا الموضوع، يتابع المصري أن «هذا الأسلوب غير الديموقراطي الذي يُدار به المجلس أدى إلى العديد من الاستقالات والخلافات والانشقاقات. ويورد محدثنا أمثلة عن هذه الاستقالات التي كان أبرزها ربما مغادرة وليد البني، «المعارض المرموق» وأحد الأقطاب البارزة لـ «إعلان دمشق»، و«المثقف صاحب الصدقية بالنسبة لمختلف تيارات المعارضة السورية». ووفق تعابير المصري، بذل البني «جهوداً مخلصة من أجل توحيد الصفوف، لكنه في النهاية اضطر للاستقالة من صفوف المجلس احتجاجاً على ما اعترضه من ممارسات إقصائية وغير ديموقراطية». وبحسب شهادة المعارض نفسه، انسحب من «المجلس» أيضاً محمد العبد الله، وهو من قيادات المعارضة المقيمين في واشنطن، وقد انسحب أيضاً بسبب غياب الديموقراطية داخل هذا التنظيم. ولمزيد من التأكيد على رأيه، يحيل المصري الحديث إلى الدكتور منذر ماخوس «القادر على أن يعطيكم نموذجاً واضحاً للأسلوب الإقصائي الذي يُدار به المجلس، بعدما أخفى عنه الثنائي برهان غليون وبسمة قضماني مسألة اللقاء مع وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه رغم أن ماخوس يُعدّ المسؤول عن قطاع أوروبا في لجنة العلاقات الدولية في المجلس».
ولدى استفسار ماخوس عن هذه الواقعة، يجيب «هذه الحادثة صحيحة. لقد اجتمعتُ ببرهان غليون وبسمة قضماني عشية اللقاء مع جوبيه، ولم يطلعاني على موضوع اللقاء الذي تابعت أخباره عبر وسائل الإعلام!». ورغم أن ماخوس يوضح عدم اعتراضه على أن تكون بعض اللقاءات أو النشاطات مقتصرة على أعلى هرم القيادة في «المجلس»، غير أنه يعود ليشدد على ضرورة أن «يندرج ذلك ضمن أسلوب عمل مؤسساتي واضح المعالم». ويتابع «أتفهم تماماً أنه ليس من الضروري أن يكون أعضاء لجنة العلاقات الدولية حاضرين في كل اللقاءات، ومن المفهوم أن بعض النشاطات قد يكون لها طابع استثنائي أو خاص، إلا أنّ التستر على مسألة انعقاد اجتماع كهذا، وعدم إبلاغنا بأي معلومات عنه، يعد خللاً غير طبيعي في أسلوب عمل المجلس». لا يريد ماخوس أن يعطي هذا الموضوع «أكثر مما يستحق حتى لا يُفهم أن في كلامي أي شخصنة للأمور»، لكنه يرى حاجة ماسة إلى أن «يُعاد النظر في مثل هذه الممارسات لأنها تتنافى مع أسلوب العمل المؤسساتي والديموقراطي الذي يجب أن يكون منهجنا». ويختصر الاشكالية بعبارة بسيطة: نحن نناضل ضد نظام غير ديموقراطي يستعمل أساليب الإقصاء والاستبداد، وهذا يتطلب منا ألا نكرّر تلك الممارسات، وأن نعطي عن أنفسنا صورة مغايرة وأكثر ديموقراطية».
يتفق صالح مسلم مع هذا الرأي، ويشير إلى أن أضرار «العقليات الإقصائية» لا تقتصر فقط على إثارة الخلافات بين فصائل المعارضة، بل تؤثر سلباً في «النَفَس الديموقراطي الذي يجب العمل على زرعه في المجتمع السوري». ويختم بالتحذير من أنّ «ما يقوم به المجلس من إعادة إنتاج غير واعية لممارسات النظام الاستبدادي، من حيث التسلط والإقصاء، يكشف أن الخلفية الفكرية لأغلب القوى المنتمية إليه تفتقر إلى الثقافة الديموقراطية، ولا تحترم الرأي الآخر، وهو ما من شأنه أن يؤسس لسوابق خطيرة تتنافى مع ما يجب أن تضطلع به المعارضة على صعيد تعميم الفكر التعددي، ونشر القيم الديموقراطية في المجتمع السوري».



«شبّيحة المجلس»


أثار الاعتداء على وفد «هيئة التنسيق» في القاهرة من قبل من باتوا يعرفون بـ«شبيحة المجلس الوطني» استياءً واسعاً في أوساط المعارضة السورية. عنه يقول ميشيل كيلو إن «البعض في المجلس الوطني يكرِّرون ممارسات إقصائية شبيهة بما عانيناه من النظام التسلطي، وإذا تأملنا في ما حدث في القاهرة، نجد أننا أمام عقلية مفادها أنه لا ينبغي أن يكون خارج المجلس أحد وإلا فسنقمعه بالقوة». لذلك كتب كيلو بعد تلك الحادثة أنه «إذا كان هؤلاء هم الذين سيسقطون النظام، فإن سوريا ليست ذاهبة إلى الديموقراطية، بل سننتقل من طغيان أقلية إلى طغيان أغلبية، وذلك، على رأي أرسطو، أسوأ ما يمكن أن يقوم من أنظمة فكرية». من جهته، يرى منذر ماخوس أن «ما كتبه كيلو لا يخلو من الصحة، فما حدث في القاهرة هو بكل المقاييس تصرّف غير ديموقراطي، وينمّ عن عقلية متسلطة»، مع إصراره على ضرورة عدم التعميم، لأن وجود أطراف غير ديموقراطية في المجلس الوطني «لا ينطبق على كل من هم معنا في المجلس».