كشفت حادثة النائب حسين الأسدي عن قائمة «دولة القانون»، بزعامة رئيس الوزراء نوري المالكي، عن أمور كثيرة، توقف عندها المحللون، أبرزها هشاشة وتناقض المنظومة السياسية القائمة على قواعد المحاصصة الطائفية والإثنية التي خلّفها الاحتلال الأميركي، كما كشفت عن عمق تأثيرات تجربة الحكم الشمولي السابق، وترسخ الكثير من طرق التفكير والممارسات القديمة في أذهان حكام اليوم.

تقول القصة باختصار، إن النائب الأسدي صرح للصحافة باعتقاده أن إيواء الرئيس العراقي جلال الطالباني لنائبه المطلوب للقضاء طارق الهاشمي، تنطبق عليه الفقرة باء من المادة الرابعة من قانون مكافحة الإرهاب والخاصة بمن يؤوي المتهم بالإرهاب. تصريح النائب الأسدي، أثار جلبة شديدة وردود فعل متناقضة. نواب وساسة «التحالف الكردستاني» ثاروا ورفضوا هذا التصريح وطالبوا صاحبه بالاعتذار. أحدهم، وهو القيادي الكردي محمود عثمان، وازنَ، بحصافته المعهودة، بين أمرين، فقد دان تصريح الأسدي واعتبره تصعيداً غير مبرر من جهة، وطالب الرئاسة بعدم السماح للهاشمي بمغادرة كردستان إلى خارج البلاد من جهة أخرى.
موقف عثمان هذا، فسّره أكثر من مراقب بأنه يعني أن تصريح الأسدي أدى مهمته بنجاح. فهو وإنْ كان مصدر توتر إضافي وموضعَ رفضٍ كردي، جعل من شبه المستحيل على الزعامة الكردية أن تغامر بالسماح للهاشمي بالخروج من مناطق سيطرتها بعد الآن. في اليوم التالي، وخلال جلسة للبرلمان، طلب الأسدي الكلام، وأدلى بمداخلة كرر فيها حرفياً تصريحاته الصحافية، فثارت ثائرة نواب «الكردستاني» وأحدثوا ضجة ثم انسحبوا من الجلسة احتجاجاً، فأسقطوا النصاب ورفعت الجلسة. نواب قليلون من «التحالف الوطني»، الذي ينتمي إليه الأسدي، تضامنوا معه، ودافعوا عن حقه في إبداء رأيه كنائب ذي حصانة، أما الكثيرون فقد سلطوا عليه ضغوطاً قوية، كما اعترف هو شخصياً، بهدف إجباره على الاعتذار للطالباني، لكنه رفض. «الكردستاني» صعّد من لهجته، وطالب على لسان نائبه خالد الشواني، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ البرلمانات، بمنع الأسدي من دخول البرلمان حتى يعتذر عن تصريحه المناوئ للرئيس. أوساط سياسية وصحافية علقت بمرارة وغضب على هذا الشرط الذي اعتبرته مُذِلاً لنائبٍ ذي حصانة.
وفي السياق، علقت صحيفة عراقية إلكترونية معارضة على الحادثة بافتتاحية تحت عنوان «هل سيطالب التحالف الكردستاني بقطع لسان الأسدي؟»، ذكّرت فيه القارئ بما كان يفعله النظام السابق بمن يجرؤ على التطاول على رأس النظام. كتاب ومسؤولون مؤيدون لائتلاف «دولة القانون» تساءلوا في الصحافة وعلى مواقع التواصل الاجتماعي قائلين: لماذا ثارت ثائرة البعض في الكردستاني والعراقية وطالبوا بطرد الأسدي ولكنهم سكتوا ولم يقولوا شيئاً، حين اتهم النائب صباح الساعدي رئيس الحكومة نوري المالكي بقتل المسرحي والناشط الديموقراطي العراقي هادي المهدي؟ مثقفون مستقلون سخروا من هذه الأزمة برمتها، وأرجعوها إلى طبيعة الحكم الطائفية الإثنية.
القائمة «العراقية» بزعامة علاوي لم تكن غائبة عن المشهد، فقد سارعت لإصدار بيان تلاه رئيس كتلتها سلمان الجميلي دانت فيه تصريح الأسدي بشدة، رابطة بينه وبين نهج المالكي وقائمته دولة القانون بعبارات قوية انطوت على اتهام المالكي بالتواطؤ مع النائب صاحب المداخلة للنيل من مقام الرئاسة. أما الناطقة باسم كتلة «العراقية» ميسون الدملوجي، فقد رأت في تصريحات الأسدي «محاولة جديدة للتفرد بالحكم وأن الاستهداف السياسي، سيمتد إلى كل الكتل المشاركة في العملية السياسية». مراقبون فسّروا هذا التصريح بمحاولة لاستثمار الأزمة من قبل قائمة علاوي ودق إسفين بين الكردستاني ودولة القانون، لكن هذه المحاولة لم تنجح كما يظهر، فقد أكد مسؤول في الكردستاني أن «خلافنا مع دولة القانون لن يجعل منا خصمين ولن يؤدي إلى تحالفنا مع العراقية».
في جلسة الخميس، 5/1/2012 ، بدا وكأن الطرفين، دولة القانون والكردستاني، قد توصلا إلى حل وسط لأزمة النائب الأسدي ومقام الرئاسة، بعدما كان الكردستاني قد رفض اعتذاراً بالنيابة قدمه ثلاثة نواب من قادة التحالف الوطني هم خالد العطية وبهاء الأعرجي وحسن السنيد. وقد شاهد المتابعون تفاصيل الحل الوسط وهو يطبق عملياً: قادة التحالف الوطني العطية والأعرجي والسنيد ونواب آخرون يصطحبون النائب «المتمرد» الأسدي ويتوجهون به إلى مكتب كتلة الكردستاني في البرلمان. الأسدي يدلي بمداخلة جديدة خلال الاجتماع في مكتب الكردستاني. التحالف الكردستاني اعتبر هذه المداخلة اعتذاراً رسمياً وأنهى مقاطعته لجلسات البرلمان، لكن الأسدي خرج من الجلسة ليقول للصحافيين «لقد وضّحت موقفي من قضية علاقة الرئيس الطالباني بقضية الهاشمي ولم أعتذر للكردستاني». ردُّ الأسدي أعجب البعض، لكن مشهد اصطحابه إلى مكتب الكردستاني من زملائه لم يعجب الكثيرين لما انطوى عليه من إذلال وتَشَبُهٍ بتقاليد قبلية بالية كما قالوا. مساء ذلك اليوم، حسم رئيس كتلة الكردستاني فؤاد معصوم، المعروف باعتداله وبعده عن التشنج، الموقف حين قال لإحدى الفضائيات العراقية «لقد اعتبرنا مجيء الإخوة في وفد التحالف الوطني ومعهم الأسدي إلى مكتبنا اعتذارا». معصوم أضاف أيضاً ما يهدئ الأعصاب المتوترة، حين قال إن «التحالف الكردستاني لم يرفض مداخلة الأسدي في البرلمان لكننا نرفض بعض الكلمات التي تفوه بها».
أغلب المحللين اتفقوا على أن هذه الأزمة يجب أن تنقضي سريعاً على قاعدة أن الأكراد بحاجة إلى التحالف الوطني وإلى استمرار عمل مجلس النواب لحسم عدد من الملفات ومشاريع القوانين في أجواء مريحة له، مثلما أن التحالف الوطني بحاجة للكردستاني لذات السبب. لكنّ مفاجآت النائب الشيخ الأسدي لم تنته عند هذا الحد، بل أضاف أخرى لن تكون، كما قال معلقون، من مصلحة «العراقية» أو متشددي الكردستاني، وذلك حين كشف عن انه تلقى اتصالاً هاتفياً من الرئيس الطالباني دعاه فيه إلى زيارته لتوضيح رأيه فيه، وفي قضية الهاشمي عموماً. بعض المراقبين عبروا عن دهشتهم واستغرابهم من هذه المفاجأة، لكنّ مراقبين ومحللين آخرين، ملمّين بطباع الطالباني وطريقة تفكيره، لم يستغربوا ذلك لأسباب، منها ما يتعلق بذكريات الماضي العراقي ككل، ومنها ما له علاقة بما وجهه البعض للطالباني من اتهامات بارتكاب مجازر لعل من أشهرها مجزرة «بشتآشان» ضد حلفائه الشيوعيين العراقيين سنة 1983.