تونس | باريس | سادت تونس أمس أجواء من الغموض والتوتر، على اثر إقدام وزير الداخلية الجديد، القيادي في حركة النهضة، علي العريض، على إقالة قائد قوات التدخل التابعة لوزارة الداخلية، الجنرال منصف العجيمي. أثار هذا القرار، الذي يُعدّ أول تغيير يطاول أعلى هرم المؤسسة الأمنية والعسكرية التونسية الموروثة عن عهد الديكتاتور المخلوع زين العابدين بن علي، ردود فعل متباينة.


فقد نشر الرئيس التونسي منصف المرزوقي، على موقعه الشخصي على «فايسبوك»، تعليقاً أكد خبر إقالة الجنرال العجيمي، مذكّراً بأنه كان مدير «مركز بوشوشة»، في اشارة الى المعتقل الأمني سيئ الصيت الذي كان معروفاً في أيام بن علي. وأشار الرئيس التونسي إلى أن العجيمي هو المسؤول عن المذابح التي وقعت في «تالا» و«القصرين»، خلال الثورة التونسية. لكن المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية التونسية، هشام المؤدب، فاجأ الجميع، بعد ساعات من إعلان الخبر، إذ صرّح لإذاعة «شمس إف إم» بأن أي إعلان رسمي لم يصدر عن الوزارة بخصوص إقالة الجنرال العجيمي، مضيفاً «إذا غادر الجنرال العجيمي منصبه فسيكون ذلك إما بالاستقالة أو بإحالته على التقاعد. أما الإقالة فهي غير واردة في الإجراءات (العسكرية) المعمول بها». لكن مكتب الوزير علي العريض سارع إلى تأكيد خبر الإقالة.
وتزامن هذا التضارب في تصريحات القائمين على وزارة الداخلية مع خطوة مفاجئة تمثلت في انسحاب قوات التدخل التي يديرها الجنرال العجيمي من كافة المواقع والمرافق العمومية التي تتولى حمايتها، بما فيها مدخل وزارة الداخلية في شارع بورقيبة (نسبة الى الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة)، وسط العاصمة تونس. وانتشرت أخبار عن اجتماع عسكري بحضور الجنرال المُقال في الثكنة المركزية لقوات التدخل، التي كانت مغلقة منذ قيام الثورة.. الشيء الذي أطلق العنان لتأويلات أشاعت في البلاد أجواء انقلابية.
وتساءل البعض عن سخرية الأقدار التي شاءت أن تعيش تونس هذه الأجواء في اليوم الذي تحتفل فيه الجزائر بالذكرى العشرين للانقلاب العسكري الذي قام بتعطيل الانتخابات التي فاز بها الإسلاميون، عام 1992. وذلك بالرغم من أن الثورة التونسية شكّلت نموذجاً مغايراً تماماً لـ«السابقة الجزائرية».
وفي اتصال هاتفي مع «الأخبار»، نفى المتحدّث الرسمي باسم وزارة الداخلية، هشام المؤدب، أن يكون قد كذّب الخبر، وأضاف: «كل ما قلته إنه لم تصدر أيّ وثيقة رسمية موجهة لكوادر الوزارة بشأن هذا القرار».
وقالت مصادر عدّة تحدثت معها «الأخبار» من كوادر وزارة الداخلية، إن قرار الإقالة الذي اتخذه الوزير علي العريض جاء إثر لقاء عاصف جمعه بالجنرال العجيمي في مقر وزارة الداخلية صباح أمس. وأكدت المصادر ذاتها أن القوات التابعة لإدارة وحدات التدخّل التي يديرها الجنرال المقال انسحبت بالفعل من المواقع التي تتولى حراستها في العاصمة وعدد المدن مثل سوسة والكاف وجندوبة وصفاقص ونابل والمهدية. لكن الأمين العام لـ«النقابة الوطنيّة لقوات الأمن الداخلي»، عبد الحميد الجراية، قال في تصريح خاص بـ«الأخبار»، إن الانسحابات اقتصرت على ثلاث محافظات لا غير هي تونس ونابل والمهدية.
وأضاف الجراية: «نحن ضد أي شكل من أشكال الانسحاب، لأن ذلك من شأنه المساس بأمن البلاد، الذي يجب أن يبقى فوق كل اعتبار آخر». وبخصوص إقالة العجيمي، قال الجراية: «هذا قرار وزاري نحترمه ونحن ملزمون بتنفيذه. ونحن كنقابيين أمنيين نؤكِّد أنّ الإدارة في حاجة إلى التطهير. وهذا أمر ندعو إليه، لكننا نرفض أسلوب المحاكمات الحالية للقادة الأمنيين أمام محاكم عسكرية. ونطالب بمحاكمات مدنية ومنصفة».
واتصلت «الأخبار»، للتحرّي حول الأوضاع في مختلف المناطق التونسية، بأحد القادة الأمنيين الميدانيين في محافظة قفصة، فأكدّ انسحاب قوات التدخل من المدينة، لكنه طلب عدم الكشف عن هويته، بسبب «واجب التحفظ» الذي لا يسمح للقادة العسكريين بالإدلاء بتصريحات صحافية حول القضايا الأمنية. وأضاف القائد الأمني ذاته أن «القيادات الميدانية في محافظات الجنوب والشمال والوسط التونسية، أجمعت على رفض انسحاب أعوان الأمن من مواقعهم، معتبرة أن الوزير له كامل الصلاحيات لتعيين أو عزل أي مسؤول أمني».
وكشفت مصادر في وزارة الداخلية لـ«الأخبار» أن قرارات انسحاب وحدات التدخّل الأمني من وسط العاصمة التونسية وفي بعض المحافظات، الذي عدّ شكلاً من أشكال التمرّد العسكري، تمت بإيعاز من مسؤولين نقابيين هما النقيب لأمين «نقابة وحدات التدخل»، لسعد الكشو، والأمين العام لـ«اتحاد نقابات الأمن التونسي»، منتصر الماطري. وسعت «الأخبار» إلى التحدث مع النقابيين المذكورين للتثبت من هذه المعلومات. وتمكنت من الاتصال هاتفياً بالكشو، لكنه تهرب من الإجابة، وطلب معاودة الاتصال به لاحقاً. ثم أقفل هاتفه، وتعذّر الاتصال به حتى وقت متأخر من ليل أمس.
وتجدر الإشارة إلى أن الجنرال العجيمي شغل قبل الثورة منصب مدير «معتقل بوشوشة» الأمني، ومدير إدارة حفظ النظام الجهوي في محافظة صفاقس. وتمّ تعيينه قائداً لقوات التدخل الأمني في عهد وزير الداخليّة السابق فرحات الراجحي. وتضمّ قوات التدخّل الأمني عدّة فروع، منها إدارة مقاومة الإرهاب، وإدارة حماية الشخصيات والمنشآت، وإدارة حفظ النظام الجهوي. وتضم في المجموع قرابة 10 آلاف معاون أمني.
وكان العقيد العجيمي قد أثار استياء الجهاز القضائي والنشطاء الحقوقيين، أخيراً عند استدعائه أمام القضاء العسكري في قضية رفعتها عليه عائلات شهداء وجرحى الثورة التونسية، حيث اصطحب معه أثناء مثوله أمام المحكمة رتلاً أمنياً ضخماً ضمّ 18 شاحنة من سيّارات وحدات التدخل التي يديرها. الشيء الذي عُدّ محاولة لتحدّي المحكمة والضغط على الجهاز القضائي.