بروكسل | حذّرت أجهزة الأمن البلجيكية، في تقريرها السنوي، من أنّ التيار الاسلامي السلفي سيكون في مقدمة التيارات المتطرفة التي تشكل تهديداً للأمن البلجيكي في المرحلة المقبلة. واستند هذا التحذير إلى «تنامي تأثير الحركة السلفية وتجذُّرها في الأوساط الشعبية» في البلاد. كذلك رصدت هذه الأجهزة «اتساع نشاطات الجماعات السلفية التي تعمل على عزل المسلمين في بلجيكا، ومنعهم من الانصهار في المجتمع، وذلك عبر تبنّي خطاب متطرف يعادي المؤسسات الرسمية في البلاد». وجاء في التقرير الأمني أن «السلطات البلجيكية التي تراقب نشاطات الجماعات المتطرفة السلفية، ترى أن مصدر الخطر الإسلاموي هو كون تلك الجماعات لا تعترف بالنظام الديموقراطي وبالمؤسسات المنبثقة عنه التي تسيّر الدولة والمجتمع». وكشف أنه عام 2010، حضر العديد من «الأئمة السلفيين» إلى بلجيكا من مختلف البلدان الإسلامية. وأوضح أنه «رغم قدوم هؤلاء عن طريق هيئات التمثيل الرسمي لمسلمي بلجيكا، فإن خطب هؤلاء الأئمة الجدد اتسمت بالحقد والتحريض ضد الغرب، والدعوة إلى ضرب أسس أنظمته الديموقراطية».

وضرب التقرير مثالاً عن الحركات السلفية التي «تشكل تهديداً للأمن القومي»، فتحدث عن «حركة الشريعة في بلجيكا»، وهي جماعة أصولية سلفية التوجّه، لفتت الأنظار بنشاطاتها المتزايدة في السنوات الأخيرة، وتتبنى أفكاراً متطرفة تحرّض على العنف والحقد الديني من خلال أشرطة مصوّرة دعائية تنشرها على الانترنت، وصفها التقرير بـ«التحريضية والاستفزازية». وأشار التقرير نفسه إلى تخوُّف السلطات الأمنية البلجيكية من «مخاطر تصدير الأزمات التي تشهدها بعض الدول إلى بلجيكا، بحكم وجود جاليات مقيمة فيها تعود أصولها إلى البلدان التي تحدث فيها تلك الصراعات». ومن بين الأمثلة عن تلك الحالات، الصومال و«حركة الشباب» الاسلامية المتطرفة، إضافة إلى الشيشان التي توجد فيها حركات جهادية لها أذرع وامتدادات في بلجيكا.
تجدر الإشارة إلى أن بلجيكا هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي تعترف بالإسلام ديانة رسمية منذ العام 1975. وبموجب ذلك، تُدرّس اللغة العربية وتعاليم الدين الإسلامي في المدارس الرسمية العمومية. كما تبنّت السلطات تأسيس مركز إسلامي بلجيكي يحتضن نشاطات ثقافية متعدِّدة، ويضم معهداً ثقافياً ومسجداً. ولم تشهد بلجيكا في السنوات الماضية مشاكل أمنية مرتبطة بالتطرف الإسلامي على غرار ما حصل في دول أوروبية أخرى، مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا. ويعزو الخبراء عدم تعرض بلجيكا لاعتداءات من قبل الحركات الجهادية إلى انفتاح بروكسل وتساهلها مع الجاليات الدينية، ما جعل بعض الحركات المتطرفة تنشر شبكاتها في البلاد على اعتبار أنها مجرد مركز إمداد ودعم لوجيستيين، وخصوصاً نظراً للموقع الجغرافي لبلجيكا كمعبر يتوسط عدداً كبيراً من الدول الأوروبية.
ولم يقتصر تقرير الأمن القومي البلجيكي على «الخطر الجهادي»، بل حذّر أيضاً من حركات أخرى قال إنها لا تقل خطورة على أمن بلجيكا في المستقبل القريب، مثل حركات اليمين المتطرف التي تتبنى شعارات التصدي لـ«خطر أسلمة المجتمع البلجيكي». وتشير السلطات الأمنية البلجيكية إلى أن التشرذم الحالي لليمين المتطرف لا يسمح له بالحصول على مقاعد في البرلمان، الشيء الذي قد يدفع ببعضها إلى الانزلاق نحو العنف، على حد وصفها. وتنبّه السلطات الأمنية من أنّ التيارات المتطرفة اليمينية قد تعيد هيكلة نفسها وتوحيد صفوفها لتلتفّ حول حركة «الأمة» العنصرية من أجل الظفر بتمثيل في البرلمان. ورصد التقرير الأمني مؤشرات عدة على هذا الخطر، منها اندماج حركة «الأرض للشعب» و«بلجيكا المسيحية» في صفوف «الأمة». ولم يغفل التقرير أيضاً خطر الحركات النازية الجديدة التي تنشط بقوة، وخصوصاً في المناطق الفلامانية، وأهمها حركة «الدم والشرف» العنفية والعنصرية التي لا تستهوي الكثير من فئات الشباب. وكان لافتاً أن التقرير رصد تقارباً كبيراً بين تيارات اليمين المتطرف في بلجيكا وأوروبا عموماً، مع السلطات الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة، بدليل أن معظم قادة اليمين المتطرف الأوروبي زاروا دولة الاحتلال عام 2010، وهو ما بات ممكناً بعدما تخلّت تلك الحركات عن معاداتها التاريخية لليهود ليصبح عدوها الأول الإسلام والمسلمين.
أما الحركات المتطرفة ذات التوجه اليساري، فقد حظيت بقدر أقل من الاهتمام في التقرير الأمني، إذ جاء فيه أن نشاطات الجماعات اليسارية المتطرفة في العام الماضي اقتصرت على تحركات مؤيدة للشعب الفلسطيني.