يبدو أن المجلس العسكري قرر تطبيق كتاب صلاح نصر الشهير عن «الحرب النفسية»، لكن ضد الشعب المصري. الجهاز نشر الفزع في كل مكان من مخطط إسقاط الدولة. ولأن الفزع يشل التفكير، لم يسأل أحد أين هي الدولة؟ وماذا يعني إسقاطها؟ الفزع انتشر بشكل درامي على الفضائيات. متحدثون يختمون مداخلاتهم بالصوت المرتعش وربما بالبكاء. خبراء استراتيجيون وصحافيون وضيوف منتفخون يحملون وجهات نظر متكررة ومنسوخة، على طريقة COPY PASTE، كأنهم جوقة تنتشر بإشارة من مايسترو خفيّ واحد.


«البلد حتتحرق». كيف؟ ولماذا؟ من الذي يريد حرق مصر؟ وكيف تسقط الدولة؟ هل الثوار يريدون حرق بلد فتحوا صدورهم من أجل أن يتحرر من الاستعمار الوطني؟ هل ستسقط دولة لم تسقطها إلا الرغبة في التسلط والأنانية المفرطة التي حوّلت الفساد إلى دولة، والنخبة الحاكمة إلى مافيا؟ لا أحد يفكر، فالرعب مسيطر، وخطة صلاح نصر تسري كالنار في الهشيم: البلد حتتحرق. الدولة حتسقط... إلا الجيش. لم تترك ماكينات الكذب لحظة واحدة بدون هذه الصرخات التي تدوي في قلوب الذين تربوا على الخوف من الأشباح والعفاريت. مَن سيحرق البلد يا أستاذ؟ تسأل ويرد عليك بعين مكسورة: العيال بتوع التحرير. هل تعرفهم؟ يسألك هو هذه المرة، وتصيبه سكتة اللسان عندما تجيبه: كل عيال التحرير شبهي وشبهك أنت.
هل سيحرق البلد من يريدون إقامته؟ هل سيُسقط الدولة من يريد استكمال البناء وتخليصها من بقايا الاستعمار الوطني؟ لا تسمع إجابة. الماكينة تدور في الفراغ بصرخات التحذير، وجسم الثورة الجديد والصغير يسير برشاقة رغم كل هذه الحركة الثقيلة ضده. يسير باتجاه إنقاذ الدولة من ورثة لويس الرابع عشر. لويس قالها ملخِّصاً منهج دولة للتسلط: «أنا الدولة والدولة أنا». قالها ليحكم فرنسا ٧٣ سنة كاملة. ماكينات الحرب النفسية تزمجر وتصفّر في الهواء مثل سيارات الزل (الماركة السوفياتية الشهيرة في المركبات العسكرية). وإذا استطعت أن تهرب من الفزع الذي تنشره الماكينات، فهل يمكن أن تفكر لحظة في ما هي الدولة التي ستسقط في ٢٥ يناير؟ هل الدولة هي الشرطة والجيش؟ وهل الهيبة هي القمع والقهر والطغيان، ثلاثية الحكم المستبد بامتياز؟ الدولة ليست الشرطة ولا الجيش، بل مؤسسات حماية مهمتها الحفاظ على الأمن لا الحكم. ولكي تقوم الدولة في مصر فعلاً، لا بد من إبعاد مؤسسات الحماية عن الحكم. لا بد من أن تتغير قواعد السلطة لا الجالس على كرسي السلطة. لا بد من أن تتخلص الدولة من شرعية «الغالب مسيطر». الدولة الحديثة في مصر كانت تحت الإنشاء، والسائرون على درب لويس الرابع عشر منعوا استكمال البناء، فلم يكن البرلمان برلماناً لأن قبضة الرئيس تعيده ليكون مجرد إقطاعية. كما أن القضاء لم يكن مؤسسة بعيدة عن هذه القبضة، إلا في ما يتحقق على يد قضاة مستقلين. لم يكن في الدولة إلا المؤسسات الامنية تمتص وتبتلع كل شيء حتى أصبحت الدولة الامنية هي لويس الرابع عشر المصري.
أعضاء المجلس العسكري ليسوا خونة وعملاء كما يتصورهم خيال شعبي رومانسي. إنهم مجرد باعة لبضاعة سياسية لا يمتلكون رصيدها. يسيرون على نهج حسني مبارك تماماً، لكنهم يفتقدون حتى مهارات الموظف وألعابه التي برع فيها الرئيس النائم الآن ملتصقاً بسريره الطبي. المجلس العسكري يبيع التشدد الذي يصل إلى حدّ اتهام كل من يقترب من أي شخص أشقر وعينه خضراء بالخيانة. تشدُّد لا يعبّر عن وطنية ولا يمثّل قيمة عليا، لكنه حالة هوس يشحنها المجلس وأجهزته الآن في حرب مع كل القوى المنتصبة في مواجهة مخطط إعادة دولة الأجهزة الامنية. ولأن التشدّد بضاعة على المشاع، لا يسلم المجلس العسكري من نصيب في الاتهامات. كيف تجرّم من يجلس مع أجنبي وأنت تحتفي بضيوفك من رؤساء الدول الغربية، وتؤكد أن تحالفك الاستراتيجي مع الولايات المتحدة مستمر؟ كيف تعتبر أن الثورة تعطّل الاستثمار الأجنبي وأنت تنشر حالة التخوين ضد كل من يصافح أجنبياً في الشارع؟
الخيال الشعبي يرد على الهوس الذي ينشره المجلس وأجهزته بتصوُّر ساذج: يراهم جالسين في انتظار مكالمة من البيت الابيض لينفّذوا التعليمات، أو أنهم مندوبو المصالح الأميركية في مصر. هي صورة ساذجة تماماً، لأن المجلس ورث من مبارك نظرية يلعب بها الجالس على كرسي الحكم في المساحة بين «السيادة الوطنية» و«التحالف الاستراتيجي». لعب يضمن له أمراً واحداً: حماية المقعد الذي يجلس عليه، وهي حماية اختار مبارك الطريق السهل لتحقيقها، أي «التحالف الاستراتيجي». تستفيد الولايات المتحدة من فكرة «المستبد الناعم» الذي يسيطر باستبداده على العناصر المطالبة بقوة الدولة، وبنعومته لن يصل الشعب إلى حالة احتقان تثير الغضب عليها.
بهذا المعنى، المستبد هو وكيل الحليف الاستراتيجي، وأهمية الوكيل هي في أنه يحافظ على فراغ كان مبارك ماهراً في صناعته. لا تريد واشنطن تحولاً ديموقراطياً في مصر، بل تريد تحوّلاً يضمن لها إعادة شحن لوكالتها التي قامت على أن الحاكم يصنع الفراغ من حوله. أن يحجز لمصر مكاناً لا تفعل فيه شيئاً. مبارك كان «صانع فراغ» من الصعب أن يشغله احد، وهذا سر جاذبيته دولياً. لقد لعب في ملفات متعددة هامة بالنسبة إلى أميركا والاتحاد الأوروبي، يرعى السلام بالطريقة الإسرائيلية، لكنه لا يتركها تنفرد بالمنطقة. امتلك مسمار جحا في كل الملفات، من فلسطين إلى دارفور وأخيراً لبنان. أهمية مبارك بالنسبة إلى العالم كانت أنه لا يصنع شيئاً، ولا يترك أحداً يصنع شيئاً في المربع التاريخي الذي رسمته مصر لوجودها الحيوي منذ ثورة الضباط، وربما قبلها. وتكتمل الدائرة حين تصنع أجهزة البروباغاندا صورة محاربة الأجانب للحاكم أو وريثه. الوريث اليوم هو طبعاً المجلس العسكري، وإذا عدنا بالذاكرة قليلاً، نرى أنه في عز أزمات نظام مبارك، صوّرت البروباغاندا جمال مباك على أنه محارب وطني ضد التدخل الأميركي.

هدايا الساحر: عيد قومي



انتظروا الهليكوبتر. انتظروها في المدن والقرى. انظروا إلى السماء، فهي ستُهبط عليكم هدايا المجلس العسكري. إنها هدايا الساحر في العيد

أصبح ٢٥ يناير عيداً قومياً لثورة لا يزال أبطالها يوصَفون بالمشاغبين ويشكك الجالسون خلف طاولة المجلس العسكري الحاكم في كونهم شهداء أو بلطجية. العيد فاجأهم مثلما فاجأتهم الثورة، وأرادوا حصارها لتكون مجرد فورة عابرة حققت أهدافها بانتصار الجناح الكاكي على الجناح المالي في نظام حسني مبارك. كانت حرب أسماك القرش حول قصر الرئاسة تلتهم من يقترب، ولا تجعل أحداً يقترب من النصر لولا الثورة التي عمقت الانشقاقات ودفعت من يملك القوة إلى اتخاذ موقف، بينما لم يكن باستطاعة الجناح المالي الخروج بمبادرة لإنقاذ النظام. انتظر طرفا الحرب: هل ستكسر هوجة الشعب النظام؟ لم يكن لدى أي من الطرفين أمل في الثورة، لكن الجناح الكاكي اعتبرها فرصة لاستعادة قوّة سُحبت منه في السنوات العشر الأخيرة لصالح الجناح المالي المدعوم من العائلة. مبارك العجوز لم يكن مرتاحاً لوجود قوة واحدة يستمد منها شحنات الاستمرار، وقام بدعم الجناح المالي ليصبح مركز قوة موازياً لقوة الجيش. الجيش كان مبعداً في السنوات الأخيرة لصالح عناصر الجناح المالي، وهو ما خلق التوتر وعمّق الفجوات.
الثورة بالنسبة للمجلس العسكري كانت مجرد اعلان انتصار الجناح الكاكي واصطياد نجوم الجناح المالي في المزرعة. كانت هذه حدود الثورة التي سيكمل بها المجلس طريق «23 يوليو» في بناء دولة قلبها الصلب هو المؤسسة العسكرية، لكن هذه المرة بما لا يمكّن أي رئيس مقبل من إزاحة الكاكي إلى هامش معادلة الحكم. هكذا ظهر فارق السرعة من أول يوم بعد إزاحة مبارك من قصر الرئاسة، ولم يعلن عن الاقرار بيوم ٢٥ يناير عيداً قومياً إلا عندما استمرت الثورة في الشارع، وأصبح مطلوباً البحث عن طرق أخرى لاستيعابها بعد فشل محاولات الصدام أو العزل أو الشيطنة.
يبدو شكل الاحتفال قديماً، نظّمته عقلية عسكرية تتصور أن الجماهير لا تزال تبهرها الاستعراضات العسكرية مثلما انتقلت من أيام هتلر حتى آخر اشكال الدول الشمولية. الجيوش لم تعد القلب الصلب في الدول الحديثة، فقد تغيّرت هذه المواقع بعد انحسار أو فشل كل الجمهوريات العسكرية أو ذات القلب العسكري. هنا يبدو مدهشاً أن المجلس العسكري يريد الاحتفال بثورة قامت من أجل إنهاء حكم العسكر أو وضعيتهم المركزية في الدولة. الاعتراف بأن ٢٥ يناير عيد قومي هو اعلان قطيعة ناقص مع النظام الذي قامت عليه الثورة. إعلان انتصرت فيه الثورة وارتبك بسببه من يلعبون في الفراغ بين من صنعوا الثورة ومن يحكمون باسمها.

حملة الدفاع عن الكذب




الكذب اسمنت جمهورية التسلُّط. بضاعة الهيمنة على جمهور هرب حديثاً من حظائر القطعان المفتوحة. إنهم «كاذبون» وخيال الثورة طارد الكذب بثقله القديم، وسمّى باسمهم حملة مبتكرة وطازجة. «كاذبون» كان عنوان صحيفة «التحرير» في اليوم الذي تلى سحل الفتاة الشهيرة وتعريتها. لم تخجل الصحيفة من جمهورها المحافظ، ونشرت الصورة لترد على الرواية الكاذبة للمجلس العسكري الحاكم. «كاذبون» تكسر سيطرة الرواية الكاذبة باللقاء المباشر وفي كل مكان. إنه إعلام شارع يبني شبكة وعي جديدة. الحملة تقوم على فضح رواية المجلس العسكري وتعريتها بوسائل بسيطة وعبر متطوّعين لا يمثلون زعامات ولا أبطالاً، بل ببساطة مجرَّد أشخاص يقومون بمهمة ضد الكذب. الحملة لا مركزية وتشبه في عملها قنبلة انشطارية تحمل كل شظية منها جزءاً من الرواية التي أخفاها المجلس العسكري، معتمداً على أن استخدام سلاح الكذب سيضمن الهيمنة، ومتصوِّراً أنه الراوي الوحيد حامل مفاتيح الحقيقة. حملة «كاذبون» مقاومة من نوع جديد بالتهام الثورة في ماكينة الاستهلاك، واعتراف عملي بقدرة الفرد على مواجهة مؤسسات الكذب بتقنيات بسيطة لكن مع إيمان كبير. الكذب لم يعد حصرياً على تلفزيون ماسبيرو (أي التلفزيون الحكومي)، ويبدو أن قراراً سرياً بالحرب على الثورة صدر عن قائد ميليشيات الاعلام، وظهر «الكابتن» في القنوات الرياضية و«المشايخ» في القنوات الدينية بملابس هذه الحرب. إنها حرب الدفاع عن الكذب بما أنه لا وجود لمستبد بدون كذبته، ولا ثورة بدون خيال يصل بدون إذن من أحد. الحرب ليست سهلة، وليس بعيداً عنها إثارة قضايا واصطياد أسماء معروفة والتشويش على سمعتها ببلاغات وتحقيقات تحولها من مهاجم إلى مدافع، ومن ثوري إلى متهم. هم في حرب أخيرة؛ إما أن يعيد المجلس العسكري بناء جمهور التسلط ويعيد سَوقهم، وإما أن يخرجوا إلى الظل للأبد.
رجل أعمال لمع في جمهورية حسني مبارك شعر بالذبول في الأشهر الأولى للثورة. اتُّهم في موقعة «الجمل» وأُثيرت شبهات حول الأراضي الشاسعة التي يمتلكها، لكنه عاد هذه الأيام للظهور بعد إطلاق قناته الفضائية، وطبعاً عودته إلى الأدوار القديمة مربوطة بنجاح المجلس العسكري. إنها معركتهم الكبرى يستدعون فيها الجيش الاحتياطي وخبراء خدمة الديكتاتور، ويقومون الآن بتزييت الماكينة القديمة، لكن صوتها المقزز يكشف كل يوم عن قصر عمر الكذب، فما كان يصلُح أيام مبارك أصبح سلاحاً فاسداً اليوم. هذا ما يجعل حملة «كاذبون» خطراً على المستبد وعشاقه