نواكشوط | باريس | أعلنت «الحركة الوطنية لتحرير أزواد» وجماعة «أنصار الدين»، وهما حركتان بارزتان في صفوف قبائل الطوارق في شمال مالي، الاتفاق على تكثيف التعاون بينهما في مواجهة الحكومة المركزية في باماكو. وقالت مصادر في عين المكان أن زعيم جماعة «أنصار الدين»، إياد آغ غالي، القنصل السابق لمالي في السعودية، عقد الثلاثاء الماضي اجتماعاً مع أنتالا آغ الطار، رئيس «الحركة الوطنية لتحرير أزواد»، وزعيم قبيلة «أفوغاس» ذات الزعامة التقليدية الكبيرة في منطقة «كيدال»، شمال مالي. وقالت المصادر إن الطيار كان مصحوباً خلال هذا الاجتماع بوفد هام يضم قيادات قبلية بارزة، بينما كان غالي برفقة نجليه النائبين في البرلمان المالي.


وبحث زعيم «أنصار السنة» مع نظيره في «حركة تحرير أزواد» السبل الكفيلة بتنسيق جهود التنظيمين في مواجهة حكومة باماكو. الشيء الذي عده المراقبون مؤشراً على إطلاق تمرد جديد لقبائل الطوارق، التي تمثل غالبية السكان في مناطق شمال مالي، على غرار حركات التمرد التي شنّها «الرجال الزرق» ضد السلطة المركزية في باماكو، خلال التسعينيات.
ونقل المصدر، الذي تحدثت معه «الأخبار»، عن قيادي في «أنصار الدين» قوله إن جماعته قبلت عرض «حركة تحرير أزواد» للتحالف، وأن التنظيمين متفقان على وحدة مصالح الطوارق، رغم الاختلافات في الأهداف والتوجهات السياسية. وأكد القيادي أن هدف «أنصار الدين» هو تطبيق الشريعة الإسلامية في شمال مالي، وخاصة في مقاطعة «كيدال» التي تمثل المعقل الأساسي للتنظيم. وتابع قائلاً: «إن تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» يقوم باستقطاب أبناء قبائل الطوارق من خلال شعارات تنادي بتطبيق الشريعة الإسلامية. بالتالي، فإننا إذا نجحنا في إقامة الشريعة بأنفسنا، فإن ذلك سيوقف تدفق شباب الطوارق إلى صفوف «القاعدة»، وتوريطهم في ارتكاب أعمال إرهابية باسم الدين».
وكان قنصل دولة مالي السابق في جدة، إياد آغ غالي، قد أعلن، الشهر الماضي تأسيس حركة «أنصار الدين»، متوعداً بالعمل المسلح ضد الحكومة المركزية في باماكو، من أجل فرض تطبيق الشريعة في مناطق «أزواد»، أي موطن الطوارق في شمال مالي. وقالت تقارير أمنية غربية إن هذه الحركة التي أسسها غالي استقطبت عدداً كبيراً من المسلحين الطوارق الذين عادوا حديثا من ليبيا، وهم محمّلون بترسانات هامة من الأسلحة والذخائر التي غنموها خلال مشاركتهم في الحرب الليبية إلى جانب كتائب القذافي.
ويهدف هذا التحالف بين فصيلي آغ غالي وآغ الطار لحشد قبائل الطوارق ضد النفوذ المتزايد لتنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، الذي ينشط بقوة في منطقة الصحراء الكبرى أو ما يُعرف بـ«الساحل الأفريقي»، والتي تمتد عبر شمال موريتانيا ومالي وجنوب الجزائر إلى غاية ليبيا والنيجر. وشكلت عمليات اختطاف الرهائن الغربيين، التي ينفذها فرع «القاعدة» في المنطقة، منذ العام 2003، معضلة سياسية وأمنية مزمنة عجزت دول المنطقة والقوى الغربية عن معالجتها. وسبق أن بُذلت مساعٍ فرنسية وأميركية من أجل استعمال قبائل الطوارق الواسعة النفوذ والانتشار في المنطقة من أجل التصدي لفلول القاعدة. لكن تلك المساعي لم تفلح لأنها قوبلت برفض شيوخ قبائل الطوارق، كما عارضتها حكومات المنطقة، وبالأخص حكومة الجزائر. وشهد شمال مالي أيضا اهتماماً غير مسبوق من طرف الصهاينة. فمع تصاعد نشاط «القاعدة» في الصحراء، أوفد الموساد العديد من عملائه إلى المنطقة، للعمل بهويات أوروبية، تحت غطاء التجارة أو العمل الإنساني. وكان تنظيم «القاعدة» قد أعلن القضاء على العديد من هؤلاء الجواسيس. كما أن السلطات الجزائرية أعلنت، في العام الماضي، القبض على عميل إسرائيلي في الجزء التابع للجزائر في الصحراء الأفريقية الكبرى. وتعرض نشاط الموساد في الصحراء الكبرى لانتكاسة كبيرة خلال الأشهر الأخيرة بفعل تراجع التغلغل الإسرائيلي في المنطقة، بعد طرد السلطة الموريتانية الجديدة للسفير الإسرائيلي من نواكشوط، وقيامها بتدمير مبنى سفارة إسرائيل بالجرافات، خلال احتفالية غير مسبوقة شارك فيها مئات الموريتانيين بالزغاريد والتبريكات والأشعار التي اعتبرت تدمير السفارة رداً على تدمير الجرافات الصهيونية لمنازل الفلسطينيين. ويتزامن ظهور التحالف الجديد بين حركات الطوارق مع اهتمام عسكري متزايد من قبل دول المنطقة، حيث تنسق جيوش الجزائر ومالي وموريتانيا والنيجر جهودها لمواجهة فلول «القاعدة»، وتسعى للحؤول دون إمداد المتطرفين بالأسلحة الضخمة التي تسربت من ليبيا بعد سقوط نظام القذافي. ويراهن الخبراء على أن التحالف الطوارقي سيكون اكثر فاعلية من التدخلات الدولية والإقليمية، وخصوصاً أن عوامل كثيرة تشجع المتمردين الطوارق، حيث يتجه اتفاق الهدنة الماضي بين قبائل الطوارق وحكومة باماكو إلى الانفراط، بعد تغير موقف الجزائر، وتراجع الدعم السعودي الذي كان يرعى هذا الاتفاق منذ إبرامه في التسعينيات.
وقد شهد شمال مالي، خلال العقدين الماضيين، استقراراً هشاً بموجب هذا الاتفاق الذي وقع في الجزائر، وتولت السعودية رعايته وتمويله. لكن موازين القوى تغيرت خلال الأشهر الماضية، بعد عودة الآلاف من مسلحي الطوارق من ليبيا محمّلين بالأسلحة والذخائر والأموال.
ويشهد «الساحل الأفريقي» اهتماماً غربياً كبيراً، وبالأخص من قبل الولايات المتحدة وفرنسا، وذلك بسبب ما تتوفر عليه من موارد طبيعية كالنفط والغاز والذهب واليورانيوم. فضلاً عن البيئة الصحراوية الخلابة التي تستقطب السياح من مختلف مناطق العالم. لكن المخططات الغربية للسيطرة اصطدمت بثورات التمرد التي قام بها الطوارق في التسعينيات، ثم بنشاطات «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي».




«الربيع العربي» يحيي «ثورات الصحراء»


يعد إياد آغ غالي (الصورة) الزعيم التاريخي للحركات الانفصالية لقبائل «الطوارق». فهو الذي فجّر التمرد المسلّح ضد حكومة باماكو، في حزيران 1990، حين أسس آنذاك «الحركة الشعبية لتحرير أزواد» («أزواد» تعني بلاد الطوارق). أما «الحركة الوطنية لتحرير أزواد»، التي يتزعمها حالياً أنتالا آغ الطار، فقد انشقت عن حركة آغ غالي، إثر «معاهدة تامنراست»، التي أُبرمت لإنهاء تمرد الطوارق، سنة 1991، برعاية الجزائر. وانشقت عن الحركة الأصلية آنذاك تنظيمات عدة.
وأدى تشرذم قوى الطوارق إلى إخماد تمرد التسعينيات الذي سعى إلى إحياء المشروع القومي الطوارقي، الذي رافق «ثورات الصحراء» في الخمسينيات. وقد ناضلت تلك الثورات من أجل إقامة «دولة الأزواد». وبعد إخمادها، تعمّد الاستعمار الفرنسي تمزيق بلاد الطوارق، من خلال حدود مصطنعة جعلت بلاد الطوارق موزعة بين ليبيا والنيجر والجزائر ومالي وموريتانيا. وكان هدف الاستعمار تفادي تكرار حركات التمرد. وتشير المعطيات التي رافقت تشكيل التحالف الطوارقي الجديد، إلى أن أمازيغ الصحراء يعتزمون بعث «ثورة صحراء» جديدة، امتداداً لحركات «الربيع العربي»، من أجل التخلص من أطماع الهيمنة التي تحفّ بموطنهم التاريخي من قبل القوى الغربية والأنظمة المحلية الموالية لها.