حلب | كثرت في الشهور الأخيرة أعمال السلب التي طالت المواطنين الحلبيين على الطرقات العامة من قبل المسلحين المنتشرين بين مورك في حماة حتى سراقب، على تخوم حلب، المحافظة التي تضم 6.5 ملايين مواطن وتعتبر عاصمة البلاد الاقتصادية. منذ بداية الأحداث كان للدم حضور كبير، إضافة إلى كل مبررات الاحتجاج الأخرى من توريث وقمع واستبداد أمني، لكن حلب كانت تعيش في العقد الأخير ربيعها الاقتصادي، كان هناك في عموم سوريا غضب مكبوت ونزعة انتقام من فترة الثمانينيات الدموية التي خاض فيها الإخوان المسلمون صراعهم مع سلطة البعث. النزعة تجددت لدى شريحة من السلفيين صقلتهم التجربة العراقية التي خاضوها، وغضب مستجد بعد أخبار القتل التي كانت ترد عبر الفضائيات.


أعداد المتظاهرين في مدينة حلب بالعشرات، وحتى المئات، كما تبين ذلك مقاطع الفيديو التي يبثّها ناشطون على شبكة الإنترنت، تستمر لدقائق معدودة، ويعتقد كثيرون في حلب أن الأمر يحصل لغرض تزويد الفضائيات، إذ تحصل وتنفض التظاهرة خلال دقائق.
هذا الأمر لا يقلق المحامي المعارض إسماعيل الذي يقول «المهم أن حلب في قلب الثورة، ويومياً يوجد تظاهرات في المدينة وفي الريف بنحو أكبر بكثير، رغم الرصاص والقتل. فليبعد النظام الأمن والشبيحة، وسترى بعد ذلك كيف سينزل الملايين إلى شوارع مدينة حلب».
وينقل المحامي المعارض عن أحد السياسيين من مرحلة الخمسينيات قوله: «دوماً تقف حمص مع التغيير منذ البداية، وتنضم حلب إلى المنتصر في النهاية». وخرج إسماعيل بخلاصة مفادها أن «هذا ما سيجري اليوم، النظام لن يصمد أمام الضغط الشعبي والعقوبات الاقتصادية ووجود المراقبين والانشقاقات في الجيش».
ورغم مقتل شاب قبل نحو أسبوعين نتيجة تلقّيه ضربة بهراوة على رقبته، فإن التظاهرة التي رافقت التشييع في قلب حلب القديمة في اليوم التالي لم تضم أكثر من 1000 مشارك، وهو ما يعتبره زهير حمامي «مؤشراً قطعياً على قرار مدني حلبي بعدم الانخراط في حركة الاحتجاج التي غاصت في الدم والتزييف ولن تحمل الحرية، بل ترى فيها الطبقة الوسطى المدينية خطراً كبيراً على الحرية الحقيقية والاستقرار والاقتصاد، وقبل كل شيء الأمن والأمان». ويضيف «هل تتوقع أن يخرج أهل حلب في ثورة يقودها «إخوان» يسعون إلى الانتقام، أو مسلحون أصوليون في ريف إدلب، لم يتركوا طريقة لإهانة أهل حلب إلا فعلوها، حتى وصل الأمر إلى حرق أكبر مصنع خاص للنسيج في حلب مرتين في أسبوع حتى دمروه، وحرموا 1800 عائلة من مصدر رزقها». ويسأل: «إذا كانت بدايتهم كذلك، فكيف ستكون عليه بعد سيطرتهم على سوريا؟».
الحساسية المدينية التي تقارب «النعرة» أحياناً، واضحة في كلام كثير من المثقفين. يقول كاتب مسرحي، عضو في اتحاد الكتاب العرب، «هل الحلبيون من السذاجة لكي يلتحقوا بثورة سلفية مسلحة نجح الإعلام في تغطية سلاحها». مثقف آخر يضيف «صديقنا الليبرالي ذاك الذي يدخّن الغليون، كان يشمئز من لفظة أصولي، لكنه اليوم يروّج لهم ولدورهم في ثورة الحرية، رغم مقتل مئات العسكريين والضباط وأفراد الشرطة على أيديهم. ولقد كشفت الأحداث عمق الأزمة في سوريا، وهي أزمة نخب تتعامل في السياسة بعقل براغماتي غير مقبول». ويؤكد «الإصلاح هو الخيار الأفضل الذي يمنع الانفجار الذي تسعى إليه قوى كبرى، ويحقق تغييراً متدرجاً، ويبعد عنا خطر العرقنة واللبننة. سوريا إذا انفجرت فستقدم مصطلحاً جديداً هو: السورنة»، مشدداً على أن «أحداث الشهور العشرة المنصرمة تؤكد ذلك، من ضرب وسلب وإهانات وانتهاك أعراض، إنها الفوضى الخلاقة الموعودة، لا الحرية المشتهاة».
بدوره، يقول الناقد فاضل الكواكبي إن «حركة الاحتجاج السورية تميّزت بنزعة مناطقية ودينية على حساب النزعات الطبقية والاجتماعية والسياسية. فتظاهرات حمص ترفع لواء التضامن مع درعا، ودوما تحيي اللاذقية، وبانياس تهتف لحماة، وهكذا غلبت نزعة تصعيدية مناطقية على حساب النزعة السياسية الوطنية». ويتابع «هذا ما أسمّيه انتفاضة الفزعة، وهو بالضبط ما ردّده المحتجون في درعا بقولهم: فزعة يا حوران فزعة». ويتابع «الصبغة العشائرية ومفهوم النصرة لقوم على قوم آخرين، هو مفهوم غير سياسي، بدائي غير واع»، موضحاً أنه «في النهاية غلبت النزعات المحلية على النزعة الوطنية، وأفسحت في المجال لتسلل معادين للمقاومة، ويقدمون رفضهم لموقف السلطة الإقليمي وتحالفها مع المقاومة وإيران على أي بعد آخر، ما جعل قمعهم أكثر تبريراً لدى السلطة».
ويرى الكواكبي أن «حلب بتراثها المدني ترفض أن يقطرها فكر وهّابي أو سلفي ريفي تحت دعاوى الحرية، لأن قيم الحرية والليبرالية لا يمكن أن تنطلق إلا من المدينة بما هي مركز صناعي وتجاري متعلق بشدة بالدولة، وأشدد على الدولة كمفهوم، لا بالنظام الحالي»، مؤكداً أن «الطبقة الوسطى والعمالية في حلب ترى ما يحصل بعين مرهفة، وشكوكها حقيقية في مآلات حراك شعبي تحول إلى تمرد مسلح بلبوس أصولي وشعبوي يقطع الطرقات ويهين الكرامات على أساس عنصري لكل من لا يقف معه. أي على طريقة (جورج) بوش، إما معي أو ضدي».
روائي معارض يرى أن النظام يمضي بنفسه إلى خيار يشبه الخيار الليبي «الجيش الحر المنشق يواجه، ويكبّده خسائر بالعشرات يومياً». ويعتقد أن «العامل الاقتصادي سيدفع حلب، ومجتمعها المدني إلى الثورة. فانقطاع الكهرباء وندرة المازوت، وفقدان الأسواق نتيجة عقوبات الدول، واستخدام الشبيحة لقمع التظاهرات، والركود الاقتصادي، كل هذا سيدفع حلب إلى الثورة وستتحول إلى بنغازي سوريا». ويضيف «حلب الصامتة الآن ستنضم إلى الثورة».
ويرى محمود، وهو محامٍ إسلامي، أن السلطة فوّتت كل الفرص عليها منذ آذار الماضي، وهي أكبر خادم للثورة بسلوكها. «دوماً تأتي خطواتهم متأخرة وفوقية وغير صادقة، الوقت تجاوزهم ولا حلول لديهم لوقف العنف وإبعاد خطر التدخل الخارجي الذي لا نريده بل هي التي تسعى إليه». ويشير إلى أن «السلطة دمرت روح الإنسان وعقله في حلب، فأصبح غير مبال بما يجري في بلده من قتل وسفك للدماء، مشغولاً بالشواء وأكل الكبّة، وأصبح ابن حلب مثاراً للنكتة والسخرية على صفحات الثورة في الفايسبوك».
معارض آخر يرفض الإهانات المتكررة لحلب، ويقول «النظام هو من يحرض ضد حلب ويخوّفها من الثورة رغم سلميتها، وأنا أعرف أن في اللاوعي لدى الحلبيين ذكرى عام 1980حيث انتفضت حلب ولم تتحرك معظم سوريا معها». ويضيف «عامة الناس يبررون رفضهم المشاركة بأنهم يعرفون ماذا سيجري، ويسألونك هل وقفت حمص ودرعا أو الرستن أو إدلب معنا قبل ثلاثين عاماً؟ أم كانوا وقتها مناضلين في حزب البعث يأخذون الوظائف على حسابنا؟». وينهي كلامه «حلب تعرف طريقها إلى الثورة التي تنضجها الظروف، وأرفض تناول موقف حلب بهذا الشكل المهين. حلب ناضلت ودفعت الثمن، لا أحد يزايد عليها، وقريباً ستنتفض وسيندم من أهانها».
سمير، وهو سوري مغترب عاد لاستطلاع الأوضاع، يقول «انحدر المستوى السياسي في تفسير موقف حلب إلى اعتبار أن أهلها مشغولون بالشواء وتناول الكباب والكبة. هذا تسطيح، لم تنجز المعارضة دراسة واحدة عن الاقتصاد السوري، لا قبل الأزمة ولا خلالها، ومجمل تعاطيها ساذج وانتقامي». ويرى أن الإعلام يقوم بتضليل كبير ويشن الحرب على سوريا. ويضيف: «أنا في إيطاليا أرى أكاذيب الإعلام الغربي، وأحفظ طرقهم. ولكن متابعتي للقنوات العربية، وعودتي إلى سوريا، كشفتا لي حجم المؤامرة».
زياد، وهو معتقل سابق، يرفض المقاربات التي تتهم السلطة كطرف أوحد في الأزمة، ويقول «تبين عبر عشرة أشهر أن هيبة الدولة هي المستهدفة، وليس هيبة النظام. الثوار يقطعون الطرقات ويسلبون المواطنين، وبالأخص أهل حلب. يروي الناس قصصاً مرعبة عمّا يتعرضون له خلال مرورهم في إدلب، إلى درجة أن الحركة تكاد تقتصر على الضروريات فقط».
ينتقد المعتقل السابق المعارضة «التي تتذمر من فقدان الأمن وتبرّئ الثورة ومسلحيها من أي مسؤولية». ويقول «مواقفهم تنمّ إما عن صبيانية أو لامسؤولية وطنية. إن الاستقرار هو أصل كل شيء، ومن لا يمكنه الحفاظ على سلمية الاحتجاج فليس من حقّه جرّ البلاد إلى حرب أهلية».
كلام زياد يلقى رفضاً من صديقه كاتب القصة، الذي يرى أن «النظام علة العلل. عليه أن يرحل. النظام تلهّى بقمع المثقفين والعلمانيين، وترك السلفية والإسلاميين ينتشرون في كل مكان».




المدينة وصخب الأصوات المتنافرة


رغم صوت المثقفين العالي في مقاهيهم، إلا أن مدينة حلب لا تلتفت كثيراً إلى الأصوات المتنافرة. وحده صخب الحركة التجارية والصناعية النشطة يطغى على كل الأصوات، بما فيها أصوات تظاهرات متنقلة لبضع عشرات، تستفيد من حلكة الليل أثناء انقطاع التيار الكهربائي.
«الثورة الحقيقية هي التي تتبنّاها المدن الكبرى»، يقول أحد المغتربين الذي يزور مسقط رأسه. ويضيف «حراك الأطراف تسوده علاقات اجتماعية تجعل التضامن العشائري كتلاً كبيرة تخرج للتظاهر، وتتعصّب لموقف قد يكون ضد مصالحها». في المقابل يقول حلبي معارض للنظام إن مدينته «لا تخشى فقط الشبيحة، بل تخشى الفوضى التي يخوّفهم بها النظام، إضافة إلى روح انتهازية وسلبية لدى قسم كبير من سكانها. مدينتي وأعرفها، تفتح حضنها للمنتصر».