تونس | إبّان سقوط نظام زين العابدين بن علي وفراره في 14 كانون الثاني 2011، شهدت الساحة السياسية في تونس طفرة كمية في عدد الأحزاب الجديدة التي تكوّنت مع الأيام الأولى لما بعد الثورة، إذ بلغ عدد الأحزاب المرخص لها نحو 105 أحزاب، توزعت مرجعياتها الفكرية وقاعدتها السياسية بين الليبرالية والماركسية والقومية والإسلامية.


وقبل الدخول في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 23 تشرين الأول الماضي، دخلت عدة أحزاب في تحالفات وجبهات انتخابية لعل أبرزها:
ــ «القطب الديموقراطي الحداثي» الذي جمع كلاً من «حركة التجديد» و«الحزب الاشتراكي» اليساري والحزب «الجمهوري» و«صوت الوسط» وشخصيات مستقلة سياسية وحقوقية وفنية، منهم سينمائيون مثل النوري بوزيد ومنى نور الدين وإبراهيم لطيف وسلمى بكار والمنصف ذويب.
ــ «الائتلاف الديموقراطي المستقل» الذي جمع بين عبد الفتاح مورو، أحد مؤسسي الاتجاه الإسلامي في تونس، ثم حركة «النهضة»، إضافة إلى ثلّة من الشخصيات المعروفة مثل مصطفى الفيلالي وحمودة بن سلامة وصلاح الدين الجورشي، مع أحزاب ذات توجه إسلامي على غرار حزب «التحالف الوطني للسلم والإنماء» لرئيسه رجل الأعمال اسكندر الرقيق، و«حركة اللقاء الديموقراطي» بزعامة خالد الطراولي، و«حركة العدالة والتنمية» وأبرز أسمائها مراد الرويسي.
ــ «ائتلاف 23 أكتوبر» الذي تأسّس على أرضية الجدل الذي دار في تونس حول مسألة الهوية وكيفية التعبير عنها في الدستور. ضمّ هذا التحالف في البداية حزب «حركة النهضة»، و«المؤتمر من أجل الجمهورية والإصلاح والتنمية»، و«حركة الوحدة الشعبية»، وحركة «البعث»، و«حركة الشعب الوحدوية التقدمية» قبيل عقد مؤتمرها. وعندما خفت وهج الصراع من أجل الهوية، انسحب البعض من التحالف، وأعاد البعض الآخر تأليفه في أفق الاستحقاقات السياسية لما بعد الانتخابات، وأصبح يضم أربعة أطراف هي: النهضة والمؤتمر والإصلاح والتنمية، وحركة الوحدة الشعبية.
ــ «تحالف الأربعة اليساري»، الذي يضم كلاً من حزب «العمل الوطني الديموقراطي»، وحزب «العمال الشيوعي التونسي»، وحركة «الوطنيين الديموقراطيين» وحزب «الطليعة العربي الديموقراطي».
هذه تقريباً أهم التحالفات والجبهات السياسية التي تألفت في الفترة التي سبقت انتخابات المجلس التأسيسي، التي أسقطت نتائجها العديد من الحسابات المنتظرة من هذه التحالفات، إذ كانت على النحو الآتي: حركة النهضة (90 مقعداً) يليها حزب المؤتمر من أجل الجمهورية (30 مقعداً)، والتكتل الديموقراطي (21 مقعداً)، وقائمة العريضة الشعبية (19 مقعداً)، ثم الحزب الديموقراطي التقدمي (17 مقعداً) وحزب المبادرة والقطب الديموقراطي الحداثي وحزب آفاق تونس (5 مقاعد لكل واحد منهم). أما حزب العمال الشيوعي التونسي، فحصل على 3 مقاعد، وتوزعت 12 مقعداً على المستقلين وبعض الأحزاب الصغيرة.
اليوم، بعدما تسلّمت حركة النهضة زمام الأمور، رغم دخولها في تحالف ثلاثي يجمعها بحزبي «المؤتمر» و«التكتل»، وبعدما بدأت بوادر المشروع اليميني تظهر في تونس من خلال تداخل المُعطى الديني بالمؤسسات المدنية (الجامعات والكليات والوزارات وبعض الهيئات)، بدأت تتألف في تونس عدة تحالفات سياسية جديدة على قاعدة واضحة، وهي الوقوف أمام المد الديني لحركة النهضة، والدفاع عن مدنية الدولة. هكذا، أعلنت الأمينة العامة للحزب الديموقراطي التقدمي في تونس، مية الجريبي، عن دمج حزبها في حزب «آفاق تونس» و«الحزب الجمهوري» في إطار حزب موحَّد لمناسبة انعقاد المؤتمر المقبل للحزب «الديموقراطي التقدمي» في 17 و18 و 19 آذار المقبل.
ومن المنتظَر أن يكون هذا المؤتمر توحيدياً بين هذه الأحزاب وباقي القوى الديموقراطية الوسطية الراغبة في الالتحاق بهذه المبادرة. كل ذلك في انتظار أن يُعلن عن تكوين جبهة وطنية تقدمية تجمع كل القوى القومية، الناصرية منها والبعثية، المتمثلة في حركة الشعب، وحركة الشعب الوحدوية التقدمية، وحركة الوطنيين الديموقراطيين، وحزب العمل الوطني الديموقراطي، وحزب الطليعة العربي الديموقراطي، وحركة البعث.
وفي إطار السعي المشترك للتقدّم في اتجاه تأسيس الحزب الديموقراطي الموحد، ليجمع بين القوى والأحزاب الديموقراطية الوسطية من أجل خلق توازن جديد يعكس حقيقة موازين القوى في البلاد، التقى وفدان من حركة التجديد ومن حزب العمل التونسي، ضمّا عبد الجليل البدوي وماهر المظفّر ومحمد الأمين الزقلّي ومحمد بوحديدة عن حزب العمل التونسي، ومحمود بن رمضان وحاتم الشعبوني وجنيدي عبد الجواد عن حركة التجديد، ووقّع كل من عبد الجليل البدوي، المنسق العام لحزب العمل التونسي، وجنيدي عبد الجواد، عضو أمانة حركة التجديد، بياناً في 16 كانون الجاري، أكدا فيه الضرورة الملحّة لتجميع القوى الديموقراطية في إطار سياسي موحّد «يتجاوز الأطر الحزبية الحالية، ويكون قادراً على التأثير في مجرى الأمور وعلى تقديم البديل السياسي والاجتماعي المقنع الذي يستجيب فعلاً لطموحات الفئات الواسعة من الشعب، ولتطلعات الشباب ولمطالب الثورة بالحرية والعدالة الاجتماعية، ويفسح المجال للتداول السلمي والديموقراطي للسلطة» وفقاً لما ورد فيه.
جميع التكتلات التي تألفت في تونس ما بعد انتخابات المجلس التأسيسي هي تحالفات قائمة على أسس فكرية وسياسية، لذلك فهي مرشحة لأن تدوم وتؤتي ثمارها، رغم أنها تنطلق من اشتراكها في هاجس «الإسلاموفوبيا»، على عكس التحالفات الظرفية التي تألفت قبل الانتخابات، وهي التي اتسمت في مجملها بنزعتها البراغماتية المتمثلة في السعي للفوز بأكبر عدد ممكن من المقاعد.