صنعاء | أخذ الرئيس اليمني علي عبد الله صالح حقيبته وغادر اليمن إلى سلطنة عُمان، قبل التوجه إلى الولايات المتحدة لاستكمال علاجه الطبي. خبر عاجل أتى فجأة غداة إقرار قانون الحصانة السبت في مجلس النواب، وهو القانون الذي يعطي صالح الحماية من أي ملاحقات قضائية عن كل أفعاله خلال فترة حكمه التي امتدت ثلاثة وثلاثين عاماً. كما تسري الحصانة من الملاحقة الجنائية على المسؤولين الذين عملوا مع الرئيس في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية في ما يتصل بأعمال ذات دوافع سياسية قاموا بها أثناء أدائهم لمهماتهم الرسمية، على ألا تنطبق هذه الحصانة على أعمال الإرهاب.

وبقي تضارب المعلومات سارياً حول وجهة علي صالح قبل التوجه الأخير إلى نيويورك، بين مَن يقول إنها العاصمة الإثيوبية أديس أبابا أو سلطنة عمان، التي وصل إليها مساء أمس، بينما تركّز الاهتمام المحلي حول الخطاب الأخير الذي ألقاه قبل مغادرته، وقد نقلته وسائل الإعلام المحلية مسجّلاً بعدما كان صالح قد غادر البلاد؛ أولاً هناك صيغة الاعتذار التي تكررت على طول الخطاب. طلب اعتذار موجه إلى الشعب اليمني حينما طلب العفو من كل أبناء اليمن «رجالاً ونساءً عن أي تقصير حدث أثناء فترة ولايتي لـ 33 عاماً، وأطلب المسامحة وأقدم الاعتذار لكل المواطنين اليمنيين واليمنيات». كما لم يتجاهل صالح معاناة هذا الشعب، شاكراً إياه «على المواقف الصادقة وعلى ما تحمله خلال 11شهراً من جوع وانقطاع للكهرباء ونقص في الخدمات ومن أشياء كثيرة». لكن صالح، وكعادته، لا يريد أن يبدو في هيئة المعترف الكامل بالذنب عندما تراجع في مقطع آخر من الخطاب، قائلاً إن هذا الشعب «يعرف تماماً مَن الذي قطع الطرق والكهرباء»، ليتهم مجدداً «مَن سرق ثورة الشباب» بأنهم كانوا «وراء كل هذا»، متحدثاً في الوقت نفسه عن أولئك الفاسدين الذين كانوا منضوين تحت راية حزبه الحاكم، وخرجوا منه إلى ساحة الاعتصام في ساحة التغيير، «وهم يحسبون أنفسهم قد انتصروا اليوم» على حد تعبيره. لكن صالح تراجع في النهاية، ولم يكمل عبارته، قائلاً «سندع هذا جانباً، ونرمي هذا التاريخ وراء ظهورنا». وبرّر قانون الحصانة الذي استفاد منه بأن «المستفيد من القانون الذي صدر بموجب المبادرة الخليجية، هم كل من عمل مع الرئيس خلال 33 عاماً، سواء في مؤسسات الدولة المدنية أو العسكرية أو الأمنية».
لكن يبقى الجزء الأكثر إثارة للسخط في خطابه بالنسبة إلى الشباب في ساحات التغيير والحرية، عندما توجه صالح إليهم، متقمصاً هيئة الأب الحنون المُشفق على بنيه، وخاطبهم بلهجة أراد أن تبدو مؤثرة، لكنه فشل في ذلك، عندما قال «مساكين الشباب: 11 شهراً في الاعتصامات، فيا شباب عودوا إلى مساكنكم، عودوا إلى بيوتكم، عودوا إلى أسركم، أنا أشفق عليكم وأدعوكم لأن تعودوا إلى مساكنكم وتبدأوا صفحة جديدة مع القيادة الجديدة».
وتساءل الشاب علي العديني من «الكتلة المستقلة»: «كيف يمكن أن نفهم هذه العبارة التي قالها علي عبد الله صالح وهو يخاطب الشباب، وكأنه لا يعلم مَن اليد التي امتدت لتطلق الرصاص على الشباب المعتصمين؟». وعلّق العديني، في حديث مع «الأخبار»، على «لامعقوليّة هذا الخطاب» بالقول إنه «يتوجه به إلى معتصمين شباب في بلاد أخرى غير اليمن، وكأن صالح لم يقم بإطلاق الرصاص عليهم وإرهابهم طوال 11 شهراً».
ويبقى الجزء الغامض في خطاب صالح، ذلك الذي لم يحدِّد فيه على نحو مطلق ما إذا كانت رحلته ستكون الأخيرة، أم أنه سيعود إلى اليمن ثانية، أو أنها ستكون مجرد رحلة علاجية. وعن هذا الموضوع، ختم صالح كلمته بـ«إن شاء الله سأذهب للعلاج في الولايات المتحدة، وأعود إلى صنعاء رئيساً للمؤتمر الشعبي العام». وتابع «ننصّب الأخ عبد ربه منصور هادي رئيساً للدولة بعد 21 شباط في دار الرئاسة، ونعزف السلام الوطني والنشيد الوطني، ويحضر كبار المسؤولين داخل قصر الرئاسة ويتسلّم النائب سكن الرئاسة». هو التصريح نفسه الذي كان الأمين العام المساعد لحزب المؤتمر، سلطان البركاني، قد أكده في تصريح، أول من أمس، حين أشار إلى أن «الرئيس صالح سيعود بعد رحلته العلاجية الى البلاد لقيادة حزبه من جديد». تصريح تلا التصويت بشكل جماعي على قانون الحصانة مساء السبت، وتمّت بعده مباشرةً عملية تزكية نائب الرئيس عبد ربه منصور هادي كمرشح توافقي للانتخابات الرئاسية المبكرة التي ستكون في 21 شباط المقبل، بحسب بنود المبادرة الخليجية. وبموجب ذلك، سيكون هادي، المرشح الوحيد لمنصب الرئاسة، وهو إجراء مخالف للدستور اليمني. لكن يبدو أن الجميع قد اتفقوا على أن هذه المرحلة هي فترة خاصة واستثنائية في الحياة السياسية اليمنية، ويجوز فيها القفز على بعض البنود الشكلية في الدستور من أجل أن تخرج البلاد من هذه الفترة العصيبة.
وكانت الحكومة اليمنية قد وصلت بكامل أعضائها إلى قاعة البرلمان، وتقدمهم رئيس الوزراء محمد سالم باسندوة، الذي شرع في قراءة «مشروع الحصانة» بلا تردُّد. غير أن باسندوة بكى، وهو يتحدث إلى النواب، عقب قراءة ذلك المشروع الحساس. وتوجه للحاضرين بالقول «أعرف أن هذا القانون سيعرضني للشتم، وأعلم أن وقوفي هنا لأجله سيضرّ بسمعتي، لكن مش مشكلة، فأنا مستعد أن أُقتل لأجل وطني. مثلما سبق وقلت لكم، من أجل مستقبل أبنائنا جميعاً، وطننا أيها الإخوة يتعرض للتمزق إذا لم تتفقوا». وتمنّى باسندوة على جميع الكتل السياسية أن تتفق، قائلاً «أرجوكم اتفقوا ولا تضعوا العراقيل في طريقنا، لا تعيقوا الوفاق الوطني، الوطن تتهدّده الأخطار والمصائب، أنا أرجوكم: ساعدوا بلدكم».
وقد بدا بالفعل أن الساحة اليمنية تسير باتجاه هذا التوافق، إذ جرى أمس توقيع اتفاقية بين أحزاب «اللقاء المشترك»، والحوثيين، لوضع حدّ لحالة الاحتقان التي كانت قد تزايدت في الفترة الأخيرة، وتطورت إلى حدّ الاشتباكات المسلحة، وخصوصاً بين جماعة الحوثي من جهة، وجماعات تابعة لحزب «التجمع اليمني للإصلاح» من جهة أخرى. ويأتي هذا الاتفاق، وفق ما جاء في البيان الصادر عن الطرفين، «في إطار توحيد العمل الجماعي والمشترك وتقوية العلاقات بين مكونات قوى الثورة السلمية في سبيل تعزيز الفعل الثوري والسياسي، وذلك عن طريق الإقرار بحق التنوع في الآراء، بعيداً عن الاتهام والتجريح أو التخوين».