لم يجد نفي أكثر من مسؤول إيراني التصريحات التي نُسبت إلى قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، العميد قاسم سليماني، في الحدّ من الضجة السياسية التي أثيرت حولها في بغداد، حيث تشهد الحالة السياسية تأزماً متفاقماً واستقطاباً طائفياً سياسياً حاداً بين «التحالف الوطني» الحاكم الذي تهيمن عليه الأحزاب الإسلامية الشيعية، وقائمة «العراقية» ذات الجمهور العربي السني في الغالب.

وكانت وكالة «إيسنا» الإيرانية قد نقلت عن سليماني قوله، خلال ندوة بعنوان «الشباب والوعي الإسلامي»، أن «إيران حاضرة في العراق والجنوب اللبناني، وهاتين المنطقتين تخضعان بشكل أو بآخر لإرادة طهران وأفكارها. يمكن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تنظيم أي حركة تؤدي إلى تشكيل حكومات إسلامية هناك بهدف مكافحة الاستكبار».
وتوقف المحللون العراقيون عند مفردات التصريح، فلاحظوا أن صاحبه حدّد منطقة الجنوب في ما يتعلق بلبنان، لكنه عمّم حكمه في ما يتعلق بالعراق، ولم يخصص به المنطقة ذات الغالبية العربية الشيعية. وبالإضافة إلى ما وصفوه بـ«طابع المبالغة» في كلام سليماني عن إمكانية تشكيل حكومات إسلامية بهدف «مكافحة الاستكبار»، تساءل المحللون العراقيون عما إذا كان الإسلاميون الشيعة قادرين على تشكيل حكومة إسلامية من نوع «ولاية الفقيه» أو نسخة شبيهة بها في العراق. أكثر من ذلك، فقد عمد أحد أهم هذه الأحزاب الى تغيير اسمه من «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق» إلى «المجلس الإسلامي الأعلى في العراق»، وراح الحزب الثاني، أي «الدعوة الإسلامية»، يبتعد رويداً رويداً عن مبادئه السلفية التأسيسية. أما التيار الصدري، فحين حاول قبل بضع سنوات تطبيق بعض قوانين الشريعة الإسلامية، وشكّل «محاكم شرعية» لهذا الهدف في بعض المحافظات، اصطدم برئيس الوزراء نوري المالكي الذي قاد ضد التيار حملة عسكرية شرسة عرفت بـ«صولة الفرسان». وفي السياق، حذّر باحث عراقي من أن مجرد طرح هدف أو شعار إقامة دولة إسلامية على طريقة ولاية الفقيه الشيعية أو الخلافة الرشيدة السنية في دولة تقوم على التنوع المجتمعي والتعدد القومي والديني والطائفي كالعراق، هو بمثابة «إعلان رسمي عن بداية حرب أهلية طائفية سبق للمجتمع العراقي أن ذاق ويلاتها في سنوات الجثث وخصوصاً في 2006 و2007».
البعض رأوا أنّ ما نُسب إلى سليماني ينطوي على تهور دبلوماسي، على حد تعبير النائب عن ائتلاف «دولة القانون»، إحسان العوادي. لكن آخرين رأوا فيها بالون اختبار دقيق أطلقته طهران في توقيت مقصود، وأرادت من خلاله قياس مستويات الرفض أو القبول لاحتمالات تطوير علاقتها الخاصة بالحكم في بغداد. التيار الصدري كان صاحب أول رد فعل على تصريحات سليماني، إذ قال النائب الصدري حسن الجبوري إن «التيار يرفض تصريحات سليماني ويعتبرها غير مقبولة ولا يسمح بها»، مؤكداً أن «العراق دولة مستقلة ولا نقبل أي تدخل سواء كان من إيران أو تركيا أو السعودية أو غيرها من دول الجوار».
ردُّ وزارة الخارجية العراقية تأخر أكثر من 12 ساعة، ليأتي رافضاً أيضاً لتلك التصريحات، لأنّ «العراق لن يكون بيدقاً في لعبة الآخرين، ولن يكون تابعاً لأحد، ولن يكون ساحة لتصفية الحسابات، والشعب العراقي سيّد نفسه وهو الذي يقرر مصيره وخياراته الوطنية، ونرفض جميع التصريحات المؤذية بحق وحدة العراق وسلامته وسيادته ونظامه الديموقراطي الاتحادي».
ائتلاف المالكي، «دولة القانون»، تأخر رده هو الآخر، لكنه جاء أقوى من رد وزارة الخارجية، وعبر عنه النائب إحسان العوادي الذي قال إن «هذه التصريحات أقل ما يمكن أن يقال عنها هو أنها غباء سياسي، إذْ تصدر في هذا الوقت بالتحديد». وقد رأى بعض المحللين أن تصريح العوادي موجه بالتحديد إلى قطاع واسع لا يستهان به من العرب الشيعة الجنوبيين المناوئين للهيمنة الإيرانية، وكمحاولة من ائتلاف المالكي لاستعادة شعبيته التي تأثرت كثيراً جراء صمت المالكي عن النفوذ الإيراني المتعاظم هناك.
في المقابل، جاء موقف قائمة «العراقية» مفاجئاً للجميع، فقد بدا باهتاً وتصالُحياً مع إيران، على عكس المتوقع. وقالت الناطقة الرسمية باسم القائمة، ميسون الدملوجي، إن قائمتها «تأسف لصدور تصريحات منسوبة إلى العميد قاسم سليماني عن خضوع العراق لإرادة طهران، وكتلة العراقية تسعى الى بناء علاقات متوازنة مع كل دول الجوار، ومثل هذه التصريحات تزيد احتقان الأوضاع وخطورتها في العراق والمنطقة». وقد ربط محلّلون بين هذه اللهجة الهادئة في رد فعل «العراقية»، المعروفة بمواقفها الحادة والمتشنجة في العادة تجاه إيران، وبين عملية المصالحة بين إياد علاوي وطهران التي ينسج خيوطها قريبه الوزير السابق محمد علاوي، الذي قام أخيراً بزيارة لطهران. ولم يستبعد البعض وجود علاقة بين تصريحات سليماني وتوقيت الاجتماع المرتقب بين علاوي والسفير الإيراني في بغداد حسن دنائي، الذي أعلن عنه في اليوم نفسه، ثم عاد أحد نواب «العراقية» لينفيه مساء أول من أمس، ليقتصر على دعوة هاتفية وجهها علاوي إلى السفير الإيراني للقاء (وهو ما لم يحصل) في مقر «العراقية».
وبحسب مصادر عراقية، فقد كشف «بالون الاختبار» الإيراني عن استعداد كبير لدى قيادة «العراقية» للتفاهم مع إيران بخصوص جميع الملفات، وأن عداءها الإعلامي لإيران «لا يتصف بالصدق والمبدئية». في المقابل، رفض التحالف الكردستاني، من جانبه أيضاً، تصريح سليماني، وتولى النائب محمود عثمان ترجمة هذا الموقف، إذ وصفه بأنه «تدخل سافر في شؤون العراق»، ودعا الحكومة العراقية إلى «اتخاذ موقف حازم تجاه هذه التصريحات مثلما فعلت إزاء تصريحات رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان التي كانت أقل حدة في تدخلها بالشؤون العراقية».




ملابسات النفي الإيراني


بعد مرور 24 ساعة تقريباً على نشر تصريح العميد قاسم سليماني، تدخّل السفير الإيراني لدى العراق حسن دنائي (الصورة)، فكذّب التصريح المنسوب إلى سليماني «جملة وتفصيلاً»، وقال إن ما تناقلته وسائل الإعلام بشأنه إزاء العراق والعراقيين لا أساس له من الصحة، وهي شائعات لمشروع غربي، الهدف منه الإساءة لإيران». نفي دفع بالبعض إلى التساؤل: لماذا تأخر السفير في نفي تصريح سليماني الخطير طوال 24 ساعة؟ وكيف يمكن وكالة أنباء إيرانية شبه رسمية وليست أجنبية أن تضع كلاماً خطيراً كهذا على لسان مسؤول عسكري رفيع المستوى، وخصوصاً أن هناك العشرات من الطلاب، بعضهم من دول عربية، حضروا ندوة سليماني، واستمعوا إلى تصريحه ذاك، فماذا بخصوص هؤلاء، وكيف سيتم إسكاتهم؟ أما عدم تعليق رئيس الحكومة نوري المالكي شخصياً على تصريح سليماني، فقد عدَّه البعض خطأً، ربما يكون سببه أن العلاقة بين الرجلين، أي المالكي وسليماني، ليست على ما يرام ماضياً وحاضراً. أكثر من ذلك، فقد سرّب مطّلعون على كواليس مكتب رئاسة الوزراء أنهما اختلفا واصطدما في أكثر من مناسبة وتبادلا كلاماً غير دبلوماسي تماماً.