لم تكن السلطة الفلسطينية بحاجة الى تغطية مفاوضاتها مع الدولة العبرية عبر عنونتها بـ«الاستكشافية». كما لم تكن بحاجة الى استكشاف حقيقة الموقف الإسرائيلي من عملية التسوية الى المفاوضات، والتي تحوّل مجرد إجرائها الى هدف إسرائيلي لمواجهة الضغوط الدولية؛ وفي موازاة إسدال الستار عن هذه الجولات الاستكشافية، أكّدت مصادر لـ«الأخبار» أن مروان البرغوثي يرفض دفع ثمن الإبعاد، مقابل الحرية من الأسر كجزء من المطالب التي تعرضها السلطة على إسرائيل.

وكشفت التقارير الإعلامية الإسرائيلية أن الجولة الخامسة من مفاوضات عمان، بين فريق المفاوضات الإسرائيلي، برئاسة مستشار رئيس الوزراء إسحاق مولخو، والفريق الفلسطيني برئاسة صائب عريقات، لم تحقق أي نتائج. وكما هو متوقع، تبادل وسيتبادل الطرفان إلقاء المسؤولية بينهما، انطلاقاً من اتهام إسرائيل الروتيني بأن السلطة لم تحدد موقفها من الترتيبات الأمنية، فيما يرى الطرف الفلسطيني أن إسرائيل لم تحدد موقفها من حدود الدولة.
في هذا السياق، دعا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، السلطة الى مواصلة المفاوضات، قائلاً إن «الحل يجب أن يأخذ بالحسبان ما يجري حولنا، والسرعة التي يتغير فيها الوضع عندما تشتد التهديدات، وهي تشتد»، مضيفاً إن «على إسرائيل أن تتمسك جداً وبقوة بالترتيبات الأمنية على الأرض في كل تسوية مستقبلية».
إلا أن فشل المفاوضات في عمان لا يعني أن الطرفين الأميركي والأوروبي سيكتفيان بما تحقق حتى الآن، بل سيواصلان مساعيهما للدفع نحو مزيد من جولات التفاوض. ومن الوسائل المقترحة، بحسب ما أشارت إليه صحيفة «معاريف»، توفير سلّم للطرف الفلسطيني كي ينزل عن شجرة المواقف التي أعلنها، وتقديم إسرائيل في المقابل بوادر حسن نية لأبو مازن، تشكل غطاءً لاستمرار المفاوضات، كرفع عدد من الحواجز في الضفة الغربية، ونقل أراضٍ تخضع للسلطة الأمنية الإسرائيلية الى السلطة الفلسطينية.
إلا أن محافل فلسطينية، بحسب «معاريف» أيضاً، أكدت أن هذه المبادرات لن تقنع قيادة السلطة لمواصلة المحادثات بين الطرفين. وقالت مصادر مقربة من عباس إن السلطة قدّمت للجنة الرباعية الدولية لائحة تضم 123 أسيراً في سجون الاحتلال، من بينهم القيادي البارز في حركة «فتح» مروان البرغوثي، والأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد سعدات، من أجل الإفراج عنهم. وأكدت أن تقديم هذه القائمة أتى في سياق مساعي الرباعية لدفع الجانب الإسرائيلي إلى اتخاذ «إجراءات حسن نية تجاه السلطة الفلسطينية من أجل إنقاذ لقاءات عمان، بعد انتهاء المهلة المحددة أمس». وتأتي هذه الأنباء بالتزامن مع شائعات سرت أول من أمس حول بحث مسألة الإفراج عن البرغوثي، في مقابل إبعاده عن فلسطين المحتلة، إلى الأردن على الأرجح، وهو الأمر الذي نفاه نفياً قاطعاً محامي البرغوثي، إلياس صباغ، لـ«الأخبار»، قائلاً إن «البرغوثي يرفض مسألة الإبعاد تماماً، حتى لو كان الثمن إطلاق سراحه». وأضاف «نطالب بالإفراج عن البرغوثي، على غرار الأسرى والمعتقلين كافة في سجون الاحتلال، شرط أن يعود إلى رام الله وإلى عائلته وأهله في فلسطين المحتلة، لا إلى خارجها». وأوضح المحامي أن «موضوع الإبعاد لم يُناقش مع البرغوثي على الإطلاق»، مؤكّداً أن «هذا الأمر مرفوض وليس خاضعاً للنقاش أو البحث بالنسبة إلى موكلي». وقال إن «السلطة الفلسطينية قدّمت بالفعل قائمة بـ 123 أسيراً، أغلبهم اعتقلوا قبل اتفاقيات أوسلو (1993)، والبعض الآخر من القيادات السياسية والرموز الوطنية التي اعتقلت خلال الانتفاضة الثانية، ومنهم البرغوثي وسعدات. وهناك أيضاً 25 أسيراً قضوا أكثر من 25 عاماً في معتقلات الاحتلال».
في غضون ذلك، أوحت الأجواء الإعلامية الإسرائيلية بوجود رهان على دور للملك الأردني عبد الله الثاني، في إقناع رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، باستمرار المحادثات برعاية المملكة. إلا أن الأخير أعلن بعد لقائه الملك أنه مستعد للعودة فوراً الى المفاوضات إذا ما اعترفت إسرائيل بحدود الدولة الفلسطينية، وأنه سيقبل بكل المطالب الأمنية لإسرائيل بشرط واحد «ألا يبقى أي إسرائيلي على الأرض الفلسطينية»، مشيراً الى أن النتائج التي خلصت إليها المفاوضات الاستكشافية ستبحث في جلسة لجنة المتابعة التابعة للجامعة العربية، التي ستنعقد في الرابع من شهر شباط المقبل، فيما قد يكون محاولة لتوفير غطاء عربي لمواصلة المفاوضات.