دمشق | ما كان روايات تنفيها المعارضة ومعها الغرب عن عسكرة الاحتجاجات، بات حقيقة مؤكدة مع توسع المعارك في ريف دمشق بين المسلحين والجيش النظامي. وإذا كان المشهد قد تكرر إلى حد ما في مناطق حمص وحماه وإدلب، فإن للريف المحيط بالعاصمة السورية خصوصية أكبر تتمثل في توزع المناطق أولاً وثانياً بطبيعة بعض مدنها، والأهم أنه للمرة الأولى منذ انطلاق الحراك السوري، ينجح «المنشقون» في الوجود بقوة في مدن عدة كالزبداني وحرستا ودوما وكفر بطنا وعربين، فيما تشير كل التوقعات إلى عملية حسم عسكرية كبرى سينفذها الجيش النظامي لاستعادة السيطرة على هذه المناطق.

البداية كانت من الزبداني، البلدة الواقعة على مقربة من الحدود اللبنانية، لتبرز كمقصد سياحي، بالإضافة إلى جيرانها بلودان ومضايا وسرغايا، لكنها اليوم مقصد لمجموعتين، الأولى: أهالي البلدات الذين قرروا العودة لاستكشاف ما حصل بعد سيطرة «المنشقين»، والثانية: أبناء دمشق ممن لديهم أملاك هناك. ورغم ذلك، فإن الطريق الدولي بين دمشق وبيروت، والذي يتفرع منه طريق آخر للزبداني يبدو مقفراً. يقول السائق إن عمليات عدة وقعت في مناطق قريبة جعلت الكثيرين يترددون قبل الخروج، ليس آخرها تفجير سيارة تقل عدداً من الجنود في منطقة الصبورة.
نسأل عن الجهة المنفذة فلا يجيب السائق، ويصمت لباقي الطريق. على مقربة من الزبداني، تقع بلدة مضايا، التي يعرفها أهالي الشام كمركز بيع للبضائع المهربة من لبنان، حيث تبدو الحياة طبيعية من دون وجود أمني سوى على المداخل. يستوقفنا حاجز يسأل عن البطاقات الشخصية، وجهة القدوم وسبب الزيارة، لنعرف لاحقاً أنها حواجز للجيش السوري، ونمر لاحقاً بنبع بردى، حيث معسكر لطلائع البعث تتمركز فيه دبابات الجيش. أما في داخل الزبداني فللحياة شكل آخر. مع دخول البلدة، يشعر المرء أنه في مدينة ليست من سوريا. «لقد أسقطنا النظام»، هكذا يقول أهالي المصيف السوري، باتوا يخرجون يومياً في الليل المثلج للتظاهر، بحماية المنشقين الذين يطوقون التظاهرات «خشية استهدافها من الأمن» بحسب قولهم.
الحياة هنا تبدو للزائر كأنها تسير على طبيعتها، الناس يخرجون للتجول، والأطفال في المدارس. المعارضون للنظام يستشعرون نشوة «نصر» مع تخوف من عملية عسكرية كبرى قد يقوم بها الجيش لاستعادة السيطرة، يشير أحد الناشطين، الذي رفض الكشف عن هويته، إلى أن «الطبيعة الجبلية للزبداني من جهة، واتباع المجموعات المسلحة لأسلوب حرب العصابات من جهة أخرى، دفعا قوات الأمن والمدرعات إلى الانسحاب وطلب الهدنة». ورغم ذلك، «فإن عملية واسعة قد تشن من الجهة الجنوبية، وهي الجهة الحدودية، بل تصلنا أنباء عن إمكانية الدخول حتى من الأراضي اللبنانية»، بحسب الناشط.
يروي الناشط كيف لم يتردد الأمن في إطلاق النار على المسلحين حتى أمام عيون بعثة مراقبي الجامعة العربية، «الذين جاؤوا إلينا برفقة الأمن وسيارات من الشبيحة ... ومع مغادرة البعثة، تعرضنا لإطلاق رصاص هستيري لم تلبث المجموعات المسلحة أن ردت عليه، ما دفع بالأهالي للعودة إلى بيوتهم وترك الساحة لمن يحمل السلاح، وهو ما استمر ليومين قبل أن يقرر عناصر الأمن الانسحاب، وطلب سحب المظاهر العسكرية. وبالفعل، فقد تمركزوا في أطراف الزبداني وسرغايا ومضايا، فيما يعمد المسلحون يومياً الى تمشيط الجبال خشية الاقتحام من هناك».
في بعض الأحيان، يعمد أفراد الأمن، وخاصة في الليل، إلى استهداف المجموعات المسلحة، التي ترد بدورها، لتبدأ عملية إطلاق نار كثيف وعشوائي من عناصر الأمن لتغطية انسحابهم، فيما يبدو كل الكلام عن دخول مسلحين من حزب الله أو حركة أمل مجرد فقاقيع إعلامية».
غير أن المؤيدين للنظام، وخاصة من المسيحيين، يتحدثون عن رواية أخرى. يقولون إنهم يعتصمون في منازلهم التي لا يغادرونها إلا لبضع ساعات، يفتحون في خلالها محالّهم التجارية للتبضع. يضيفون إن «المدينة يسيطر عليها الزعران، الذين يرتدون ثياباً عسكرية فقط لأخذ الصور وإيهام الإعلام بأنهم جنود منشقون». ويؤكد بعض هؤلاء أن «الزبداني ومحيطها هما محطة في طريق للتهريب تصل إلى منطقة عرسال في البقاع اللبناني. تهريب لكل أنواع البضائع، حتى المخدرات والسلاح وغيرها من الممنوعات». ويوضحون أن «في هذه المنطقة أكثر من ألفي مطلوب بمذكرات توقيف في قضايا تهريب. هؤلاء المطلوبون هم الذين يسيطرون الآن على الشارع، فيما (الأوادم) من أبناء المدينة في المنازل يترقبون الفرج».
حال الزبداني لا تنسحب بالضرورة على مدن هي أقرب للعاصمة السورية، كحرستا ودوما وعربين وكفر بطنا ورنكوس، التي بعدما نجح المسلحون في السيطرة عليها، عاد الجيش واقتحمها أمس، إذ تنتشر الحواجز على مداخل حرستا، بدءاً من نهاية منطقة العباسيين في دمشق ليصبح الدخول صعباً والخروج غاية في الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً مع انقطاع تام للكهرباء وشبكات الاتصالات والإنترنت. وتبدو الحركة في المدينة وهمية، إذ إن سيارات الأمن وحدها تحتل المشهد، وسط أنباء عن حملة اعتقالات ومداهمات واسعة للأهالي هناك، وصلت إلى حد التمركز في بعض البيوت بعد إخراج السكان منها، إضافة إلى اعتلاء قناصة أسطح المباني وإطلاق النار على أي هدف يتحرك، وخصوصاً من جهتي دوما والقابون اللتين تشهدان حرباً مماثلة، يصفها ناشطون هناك بـ«الهستيرية».
ويشير أحد أعضاء تنسيقية حرستا إلى أن الحال هنا مختلفة كلياً، فسيطرة المجموعات المسلحة تعني ببساطة أن الطريق إلى ساحة العباسيين في قلب العاصمة دمشق بات يسيراً على المسلحين، ولن يستغرق بضع دقائق، والأيام الماضية شهدت انتشاراً للمجموعات المسلحة ونصب حواجز لعرقلة دخول الأمن، الذي بقي في أطراف المدينة، ما شجع الكثيرين على النزول والتظاهر وتشييع الشهداء، فيما كان لافتاً، بحسب قول الشاب، أن بعض مآذن الجوامع دعت للمرة الأولى كل من يحمل السلاح إلى الوقوف بوجه الأمن والجيش، بالإضافة إلى توافد مئات من أبناء المنطقة طلبوا التطوع مع «الجيش الحر»، ومنهم من أتى مع سلاحه بحكم أن عدداً كبيراً من سكان الغوطة الشرقية يحملون أسلحة لحماية أراضيهم الزراعية في الداخل.
ويتوقع ناشط آخر من تنسيقية عربين أن تنشط عمليات المجموعات المسلحة، مع غياب الشمس، عبر اتباع أسلوب الضربات المباغتة الليلية، والتي يعجز الأمن عن الرد عليها، وهو ما يعني أيضاً مزيداً من عمليات القتل. ويلفت الى أن السيطرة على ريف دمشق تعني بداية النهاية، وخصوصاً أن أصواتاً كثيرة بدأت تتعالى من مؤيدي النظام تدعو إلى الحسم العسكري والضرب بيد من حديد، والقضاء على كل العصابات المسلحة.
المشهد ذاته يتكرر في منطقة القلمون في يبرود والجراجير، فاقتحام البلدات، أمس، مع تعزيزات من القوى العسكرية آتية من منطقة النبك، إضافة إلى أخرى قدمت من دمشق، على أن جبال القلمون هناك قد تشكل ملاذاً آمناً للمسلحين، على أن بعدها عن دمشق (70 كيلومتراً إلى الشمال) وهو ما قد يؤخر الحسم لفترة من الزمن، كما أن المنطقة تشهد بين وقت وآخر عمليات إطلاق نار كثيف، يصل مداها إلى البلدات المجاورة، كالنبك ودير عطية وقارة بفعل الاشتباكات بين الأمن، وتحديداً الجمارك، من جهة، والمهربين من جهة أخرى. رغم ذلك، فإن الطريق الدولي بين دمشق وحمص، حيث تقع بلدات القلمون على جانبيه، يخلو من أي حواجز عسكرية، على عكس باقي البلدات، بل تبدو الحياة شبه طبيعية حتى الوصول إلى حمص، حيث تبدأ الحواجز هناك. ورغم ذلك، فإن حركة التنقلات من دمشق وإليها عبر البر باتت محدودة خوفاً من أي عمليات أمنية ومن العبوات الناسفة والاشتباكات.




محادثات لوقف إطلاق النار


استأنف مراقبون تابعون لجامعة الدول العربية العمل، أمس، للمرة الأولى خلال أسبوع اشتدت فيه حدة الصراع العنيف بين الرئيس بشار الأسد ومعارضيه. وقال حسين مخلوف، محافظ ريف دمشق، لمراقبين عرب قبل أن يتوجهوا إلى عربين، في أول جولة لهم منذ أسبوع، إن الكثير من المنتمين إلى المعارضة قد ضُلّلوا. وأضاف إن السلطات بدأت حواراً معهم، وبينهم بعض الجماعات المسلحة التي تسيطر على مواقع هناك. وأبلغ المحافظ المراقبين بأن السلطات تستخدم الأسلوب نفسه الذي اتبعته في بلدة الزبداني، وبالتالي سيحدث السيناريو نفسه. وقال مراقب إنه يشعر بالحيرة بشأن تمديد المهمة. وأضاف «كتب التقرير واتخذت (الجامعة العربية) القرارات. وبالتالي لماذا جرى التمديد شهراً آخر؟ لا ندري».
(رويترز)