حلب | إنها «ثورة» البيدونات أو الغالونات في مدينة حلب وأطرافها، لم تشهد مثلها المدينة على مرّ تاريخها. فالعاصمة الاقتصادية الثانية لسوريا تعاني اليوم من شحّ كبير في النفط ومشتقاته، وطوابير المواطنين تمتد على مسافات يمكن القول عنها إنها أكبر و«أعقد» من الأزمة التي تمر بها البلاد، سياسياً وأمنياً.

تستيقظ حلب صباح كل يوم على أزمة محروقات، بعدما تكون قد نامت على تقنين كهربائي يسهم في رفع حزنها وينذر بكسر صمتها. كسر للصمت بدأ يتسرّب همساً وعلناً بين «أهل» صفوف الطوابير التي تنتظر الفوز بليتر واحد من المازوت أو البنزين، أو الظفر بقارورة غاز.
فمنذ أسبوع، ينهض «الحلبيون» باكراً لتنفيذ مهمة الانتظار أمام محطات المحروقات، لتتكون جموع من البشر تنتظر في صفوف أوّلها منظور وآخرها يضيع في المدى.
مادة المازوت الأساسية اليوم في التدفئة حُدِّد سعرها التمويني (الرسمي) بـ15,65 ليرة سورية لليتر الواحد، في مقابل توافر المادة في السوق السوداء بسعر30 ليرة لهذا الليتر «الذهبي».
وكانت السلطات المعنية قد أصدرت سابقاً قراراً بتأمين 500 ليتر للاستخدام المنزلي فقط للموظفين الرسميين، ثم تبعه قرار آخر بتوزيع 200 ليتر للعائلات القاطنة في المناطق الشعبية (لم يشمل القرار سكان المناطق غير الشعبية) شرط التسجيل المسبق لدى مختار المنطقة، ثم عيّنت هذه السلطات لجاناً من الموظفين المنتسبين إلى حزب البعث العربي الاشتراكي لمراقبة عمل المحطات المغلقة بغالبيتها،
ما أسهم في ارتفاع منسوب الفساد المستشري أساساً، فأصبح المازوت يتسرّب إلى أفراد عائلات اللجنة المعيّنة وأقربائهم وأصحابهم.
حال «الغاز» في حلب ليست أفضل من واقع «المازوت»؛ فالمشكلة ظهرت أخيراً بعد اعتماد المواطنين على هذه المادة للتدفئة بديلاً من المازوت «المفقود والمنهوب»، ما أدى إلى ارتفاع سعر القارورة من 275 ليرة (السعر الرسمي) إلى 500 ليرة.
وكان وزير النفط سفيان العلاو قد برر ارتفاع الأسعار بسبب تخزين المواطنين أكثر بكثير من حاجاتهم الفعلية.
أما الأزمة الأحدث التي تواجهها حلب اليوم فهي فقدان مادة البنزين، إذ قفز سعر الليتر من 50 ليرة إلى 75 ليرة، ووصل في بعض نواحي المدينة إلى 100 ليرة، ولا سيما في أقيول وبستان القصر والراموسة، وذلك بتغطية من بعض المتنفّذين.
وكان مصدر مسؤول في محافظة حلب قد صرّح بأنّ سبب أزمة البنزين هو تأخر وصول الشاحنات الآتية من بانياس براً بعد تعرُّض الصهاريج لنيران مسلحين على
الطريق.
وفي جولة لـ«الأخبار» على محطات الوقود، يقول أبو محمد، وهو من الموالين للنظام، إن «الوضع لم يعد يُحتمل والدولة إذا لم تتدارك هذا الموضوع، فإن حلب ستعلنها ثورة بيدونات (غالونات)».
وهنا يتدخّل صديقه فؤاد ليقول بصوت عالٍ، وهذا بحد ذاته أمر جلل في حلب، «نعم نحن ندعم النظام لكن للصبر حدود».
وأثناء الحوار هذا، جاء صوت أحد عمال المحطة ليقول متهكّماً «بدكن حرية مو؟»، فردّ عليه صوت مواطن من بين جموع المنتظرين: «لا أخي، على هذه الحالة يبدو أننا بدنا نسقط النظام». تداركَ عامل المحطة ذهاب النقاش إلى ما لا تُحمَد عقباه، فصرخ «عم نمزح يا شباب روقوها شوي».
وعلى بعد أمتار من هذا الحوار، كان هناك نموذج آخر من النقاش وعلى مستوى مختلف؛ كان الشاب الثلاثيني يحدّث جيرانه في الطابور وأيضاً بصوت مرتفع: «يا أخي، نظام أثبت فشله وبجدارة»، فيردّ عليه آخر «أستاذ يعني يلي عم تسموها ثورة أفضل؟
إنهم جماعة مسلحة شو ما عم تشوف قناة الدنيا؟»، فيأتيه الرد من الشاب الثلاثيني: «يا أخي أنا معك، عصابات مسلحة منذ عشرة أشهر تسرح وتمرح والدولة غير قادرة عل ضبطها؟».
يصمت الآخر قليلاً، ثم يجيبه «يعني بدكن أميركا وإسرائيل يتحكّموا فينا؟».
وهنا يجيبه الشاب «شو دخل أميركا؟
يعني عاجبك هالحالة، أديش صرلك واقف عالدور؟».
فجأةً يصرخ أحدهم: «إي بلا حكي فاضي، قال ثورة قال، روحوا حرروا الجولان بالأول إذا كنتم فعلاً ثوار». يسود صمت قاتل يقطعه صوت عامل المحطة:
«بالدور يا شباب بالدور».