الكويت | أدّى تداخُل المعطى الأمني بالسياسي قبل 24 ساعة من الإقبال على صناديق الاقتراع في انتخابات مجلس الأمة الكويتي إلى تدخُّل الديوان الأميري، بإحالة حادث إحراق خيمة المرشح محمد الجويهل على القضاء. لكن الاحتقان استبق التحرّك القضائي بمفاجأة أمنية أخرى، ليل الثلاثاء، عندما هاجم مئات من أبناء القبائل القناة التلفزيونية «الوطن»، واقتحموها، رغم محاولة رجال الأمن والقوات الخاصة منعهم. بين الحادثين الأمنيين اللذين عكسا وطأة التشنّج المذهبي والقبلي، تصاعدت نبرة الغضب والاتهامات المتبادلة بين مرشحين، بعضهم ضد البعض الآخر من جهة، وضد الحكومة من جهة أخرى، وذلك في خيم الندوات الليلية التي تواصل عقدها عشية الاستحقاق.


اتهامات جعلت من الحادثين الأمنيين محور مواقف متشدّدة أطلقها مرشحون، وتحديداً مرشّحو القبائل، حذّروا من المسّ بالقبائل أو بسمعتها، كقول أحد المرشحين إن «مَن يرش القبيلة بالماء نرشه بالدم». لم يتردّد بعض هؤلاء في التهديد بالانتقام الشخصي والقبلي إذا لم تبادر الحكومة والقضاء إلى وضع اليد على ما حدث.
ورغم سيطرة رجال الأمن على الحادثين الأخيرين، حملت تداعيات ما حدث السلطة على اتخاذ تدابير استثنائية أبرَزَت، وفق ما تذكره جهات رسمية معنية بالانتخابات، حدّة الاحتقان المذهبي والطائفي والقبلي الذي أمسى عنواناً رئيسياً للمنافسة الانتخابية. وتبعاً للجهات الرسمية نفسها، فإن التجربة الديموقراطية الكويتية باتت هدفاً مباشراً لمحاولات تخريب، وهو ما يجعل هذه الجهات لا تكتفي بالقول «الله يستر»، بل تضيف أيضاً أن التحوّل المهم ـــ ولكن الخطير ــ الذي تشهده الإمارة في استحقاق الانتخابات هذه المرة، لا يقتصر على تنافر القوى المتنافسة، وهي نفسها في ظلّ الدوائر الانتخابية الخمس مثلما كان الوضع في السابق في ظلّ الدوائر الـ25، بل في تنامي النبرة المذهبية والطائفية والقبلية. واقع يقود السلطات إلى الإعراب عن خشيتها من انبثاق برلمان متشدّد على صورة الشارع، متأثر بالتطورات التي تحوط الإمارة، ويستعيد تجربة عدم التعاون مع الحكومة، ومن ثمّ أزمة دستورية جديدة. وتلاحظ الجهات الرسمية أن تطورات المنطقة والتأثير الإيراني على جزء من شرائح المجتمع الكويتي، فضلاً عن الثقافة الجديدة التي بدأت تتسلل إلى الإمارة، وهي تناحر الاعتدال والتطرّف، باتت تطبع الواقعين السياسي والاجتماعي.
في «بروفيل» المرشّحين، لا يقلّ التشدّد الشيعي في الدائرة الأولى ـــ وبعض مرشحيه معمَّم ـــ عن التشدّد السلفي في الدائرتين الثالثة والرابعة، في حين يطل «الإخوان المسلمون» في الدائرة الثانية على أنهم أقل تطرّفاً من السلفيين، ويتقلص تأثير الليبراليين مقارنة مع هؤلاء جميعاً.
وعلى وفرة المواقف التي تتحدّث عن الحاجة إلى تقسيم جديد للدوائر، واختبار تجربة مختلفة هي الدائرة الواحدة، بعد ثلاث محاولات متفاوتة (الدوائر العشر بين عامي 1961 و1976 والدوائر الـ25 بين عامي 1980 و2006 والدوائر الخمس منذ عام 2008)، يُقبل الناخبون على صناديق الدوائر الحالية متأثرين بالخصوصية التي تجعل كلاً منها ـــ أو تكاد ـــ إقطاعاً سياسياً أو طائفياً أو قبلياً: ــ الأولى: يسيطر عليها الناخب الشيعي والقبائل. في الغالب يصل منها إلى مجلس الأمة 6 نواب شيعة. ومع أن تقدير السكان الشيعة يختلف بين النسبة التي يحدّدها المسؤولون الحكوميون بـ15 في المئة، والتي يحدّدها سياسيّو الطائفة ب20 في المئة، إلا أنها نجحت في انتخابات 2009 في إيصال 9 نواب بينهم 7 في الدائرة الأولى. ويتردّد أنهم باتوا أكثر استعداداً لزيادة تمثيلهم في المجلس الجديد.
ـــ الثانية: قليلة العدد بناخبيها ومرشحيها السنّة والشيعة، إلا أن الفائزين فيها في الغالب قبليون.
ـــ الثالثة: هي الأكثر إثارة للاستفزاز والمشاعر المذهبية التي توصف تارة بدائرة المثقفين، وطوراً بالدائرة المخملية، وأحياناً بالدائرة المربكة، ويصعب التكهّن بنتائجها سلفاً. هي خليط من المذاهب المختلفة والاتجاهات السياسية المتناقضة، إذ يوجد فيها الناخبون الليبراليون والقبليون، والإخوان المسلمون والسلفيون، ويكمن فيها أيضاً التماس السنّي ـــ الشيعي. بذلك تمثّل الدائرة الثالثة أحد أبرز نماذج المجتمع الكويتي، ويترشح لمقاعدها العشرة 67 مرشحاً، رغم أنها ليست أكبر الدوائر ولا يزيد عدد ناخبيها على 67 ألفاً.
ـــ الرابعة والخامسة: تسيطر عليهما القبائل وتوصد الأبواب أمام فوز مرشحين حضريين أو شيعة.
في ظلّ التنوّع المتنافر في الدائرة الثالثة، نُظر بكثير من القلق إلى الحادثين الأمنيين الأخيرين بأكثر من مقاربة:
أولاها، الخشية من ردود فعل ذات منحى مذهبي انطوى عليه إحراق الخيمة الانتخابية، بعض دوافعه شريحة ناخبة شيعية ـــ سنّية تدعم المرشح الجويهل، وفي عدادها رجال دين.
ثانيتها، لم تقتصر الشتيمة على المرشح، بل طاولت قبيلته التي استنفرت رجالها، وذُكر أن أعضاءها تنادوا عبر موقع «تويتر» إلى مهاجمة الخيمة الرئيسية وإحراقها.
ثالثتها، لم يكن ثمّة رابط بين إحراق الخيمة ومهاجمة القناة التلفزيونية التي استضافت مرشحين، فاستفزّ أحدهما مرشحي القبيلة المهاجمة، الأمر الذي يجعل من الخيط المذهبي والقبلي المشدود مبرّراً مشروعاً لإثارة القلاقل.
على نحو كهذا، تعبّر الدائرة الثالثة عن أغرب صراع سياسي يجعلها لا تشبه سواها من الدوائر من جهة، ويتيح تبادل الأصوات بين مرشحيها من داخلها ومع تكتلات الدوائر الأخرى، ما يسهّل قليلاً توقُّع بعض النتائج. بذلك، يتوقف النجاح في هذه الدائرة على تبادُل غير معلَن للأصوات إلى حين الوصول إلى صناديق الاقتراع. من دون هذا التبادل، يفقد المرشح فرصة الفوز بسبب وطأة التنافس وتناقض الاتجاهات، وهو ما حمل أحد مرشحيها قبل أسبوعين على القول، عبر التلفزيون، إنه يعرض علناً تبادل الأصوات بينه وبين مرشحين آخرين في الدائرة.