القاهرة | انقضت سنة منذ اندلاع ثورة «25 يناير» وميدان التحرير لا يزال قبلة المحتجين المصريين عموماً وسكان القاهرة خصوصاً. منصات تعلو وتتفكك وفقاً لمقتضيات المرحلة. خيم صامدة منذ عام وأخرى غابت، على عكس خيم مستحدثة. وجوهٌ موجودة في الميدان باستمرار تاركةً بصماتها، في مقابل أخرى عابرة. زحمة لباعة متجولين يعرضون في بسطاتهم مختلف أنواع البضائع والطعام. يثيرون الشفقة على حالهم حيناً، ويتحولون إلى مادةٍ للتندر حيناً آخر بسبب الاتهامات التي تلاحقهم بأنهم «مخبرون» يمثلون عين السلطات، التي غابت بزيّها الرسمي عن الميدان في الآونة الأخيرة.


ومن وسط هذا المزيج الذي يضفي سحره على ميدان التحرير، وتحديداً بعد هبوط الظلام، تبرز الشعارات والهتافات، التي يخفي كل منها حكاية إما لمعتقل لا يزال يحاكم أمام المحاكم العسكرية، أو شهيد سقط ولم ينل قاتلوه قصاصهم، أو مصاب تحول إلى رمز للثورة، أو مطلب يبحث رافعوه عمن يلبيه، أو مجرد موقف حرص حاملوه على إيصاله.
ليلة الخامس والعشرين من كانون الثاني، صدح صوت محسن عالياً يردد: «يلي بتسأل إيه القضية ... قتلوا شهيد طلب الحرية»، «يا أهالي انضموا لينا الحرية ليكم ولينا». توقف قليلاً محاولاً التقاط أنفاسه، نظر إلى زميله أحمد فبادره الأخير بالقول سريعاً: «توقف عن القلق سيأتون غداً، ستشاهد بأم عينك أنني على حق»، في وقتٍ كان فيه شاب آخر قد تولى مهمة استكمال إثارة حماس المارة، مردداً بصوت عال: «يلا يا مصري انزل من دارك ... الطنطاوي هوا مبارك».
قلق محسن من حجم المشاركة في الذكرى الأولى للثورة سرعان ما سيتبدد صباح الخامس والعشرين، بعدما أثبت المصريون أن وعيهم بضرورة استمرار وجودهم في الميدان، إلى حين تحقيق أهداف الثورة، في أعلى مستوياته. وهي أهداف لم تكن الصحف المصرية، التي واكبت الحدث، بحاجة لنشرها على صفحاتها. كما لم تكن الحركات الشبابية بحاجة لتوزيعها ضمن منشورات. فشعارات وهتافات من نزل إلى الميدان كانت كفيلة بإيصال الرسالة كاملة.
المطالبات بتسليم العسكر الحكم فوراً تجسدت في شعارات من قبيل «صرخة أم شهيد بتقول ... عايزة المجلس كله يغور»، «مطلوب تسليم السلطة بجد مش فوتو شوب»، «وقول ما تخافش المجلس لازم يمشي. يسقط يسقط حكم العسكر، إحنا الشعب الخط الأحمر». أما شعارا «أنا لا مغفل ولا طرطور، مش حستنى ٦ شهور» و«مجلس عسكر صباح الخير دا انت رئيسك ملياردير»، فلم يكن وليد يتوقف عن ترديدهما، مشدداً على أهمية إبراز هذه الشعارات في الميدان كونها تأتي لفضح المجلس العسكري وممارساته، في الوقت الذي يحاول فيه الأخير تشويه الحقيقة وتصوير نفسه على أنه لم يرتكب أي خطأ بحق المحتجين منذ تسلمه الحكم.
من جهتها، اختارت نيرمين التعبير عن موقفها الرافص للدعوات التي أطلقها البعض للاحتفال بالثورة وليس استكمالها، من خلال هتافها «ما فيش احتفالات ما فيش احتفالات جايين نجيب حق اللي مات»، و«يللي نازل تحتفل إخواتنا لسه
بتتدفن».
و«إخواتنا لسه بتندفن» تختلف كثيراً عن شعار «الإخوان والمجلس إيد واحدة»، الذي ارتفع منذ الخامس والعشرين من يناير وحتى الذكرى الأولى لجمعة الغضب، في انتقاد واضح لموقف جماعة الإخوان المسلمين التي باتت في نظر بعض المحتجين تتساوى مع المجلس العسكري في سرقة الثورة، وهو ما دفع البعض إلى رفع شعار «بيع بيع ... الثورة يا بديع»، في إشارة إلى المرشد العام للإخوان محمد بديع، «وهما اثنين سرقوا الثورة، العسكر والإخوان».
والإخوان الذين شهد كل من وجد في الميدان بعضاً من محاولاتهم الاستفزازية، وبينها تعمدهم رفع صوت القرآن كلما دخلت مسيرة جديدة لمحاولة إبعاد الأنظار عنها، حاولوا الرد على الانتقادات الموجهة إليهم من خلال صياغة شعاراتهم وهتافاتهم الخاصة. فعندما توقف الإخوان عن ترديد «الله أكبر ولله الحمد» وارتفع هتاف «عايزين نرجع زي زمان إيد وحدة في الميدان»، أتى الرد سريعاً من خلال «قول للزمان يرجع يا زمان، نازلين نعمل ثورة مش نحتفل بالثورة».
أما نواب البرلمان، الإخوان منهم والليبراليون والمستقلون الذين وصلوا إلى مناصبهم الجديدة بعد الثورة، فلم يسلموا بدورهم من الانتقادات، وخصوصاً أن الجلسة الأولى كانت كفيلة بإظهار الخلاف الحاد بين مكوناته، فعلت هتافات البعض «الثورة في الميدان مش في البرلمان».
في موازاة ذلك، استحوذ شهداء الثورة والمطالب بالقصاص من قاتليهم على نصيب وافر من شعارات ميدان التحرير.
فبينما اختار البعض ارتداء أقنعة تحمل صور عدد من أشهر شهداء الثورة المصرية أو مصابيها، من الشيخ عماد عفت ومينا دانيال، إلى الشاب أحمد حرارة، صدحت أصوات مجموعات شبابية تردد «وحياة دمك يا شهيد ثورة ثاني من جديد»، «القصاص القصاص قتلوا إخواتنا بالرصاص» و«سامع أم شهيد بتنادي الداخلية قتلوا ولادي».
أما شعار «يا نجيب حقهم يا نموت زيهم»، فيحمل وقعه الخاص لدى الشاب منعم. من داخل الخيمة التي جلس مستريحاً فيها إلى جوار والده سامي وشقيقه عمر ووالدته ندى، بعد عودته من تظاهرة أمام ماسبيرو، أكد الشاب، الذي لم يتخطّ السابعة عشر ربيعاً، أنه لا يخشى الموت.
وبينما كان النقاش على أشده بين الجالسين في الخيمة حول ما إذا كان الجيش والبلطجية سيقتحمون الخيم لفض الاعتصام بالقوة، وخصوصاً بعدما تخطت الساعة الواحدة والنصف فجراً، وكان الإخوان المسلمون قد اقتربوا من تفكيك منصتهم التي أبقوها حتى فجر يوم السبت الماضي، أطل منعم برأسه إلى خارج الخيمة، مشيراً بإصبعه إلى مبنى يشرف على الميدان، طالباً من الموجودين داخل الخيمة أن يرفعوا صورته عليه إذا ما استشهد في المواجهات التي كانت متوقعة في أي لحظة. حديث منعم عن الموت لا يقلق والده على الإطلاق، بل يدفعه إلى التأكيد أن الثورة لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدماء لتنتصر، وهو ما يبرر من وجهة نظره اختياره النزول برفقة ولديه وزوجته إلى الميدان ووضع أرواح أفراد عائلته فداءً لمصر وبناء مستقبلها.