عمان | في «الأربعاء الأسود»، كما وصفه أعضاء جماعة «الإخوان المسلمين» في الأردن، تلقت الجماعة ومناصروها ضربتين على الرأس؛ بينما خسروا قيادتهم لـ«نقابة المعلمين»، أغلقت قوة أمنية المقر الرئيسي للجماعة في منطقة العبدلي، وسط العاصمة، كما أخلت جميع الموجودين في المقر قبل أن تغلقه بالشمع الأحمر. ومساء أمس، أغلق مقر آخر للجماعة في مدينة جرش، شمالي المملكة، بالتزامن مع إعلان نتائج انتخابات المعلمين التي فاز فيها باسل فريحات (بعثي) على منافسه الإسلامي قاسم المصري بفارق 12 صوتا من أصوات الهيئة المركزية (316 عضوا).

مصادر رسمية تحدثت عن أن الإغلاق جاء استنادا إلى أن الجماعة «غير مرخصة»، وهو مسلسل بدأته السلطات الأردنية بمنحها العام الماضي عددا من المفصولين من «الإخوان» ترخيصا تحت اسم «جمعية جماعة الإخوان المسلمين»، ويرأسها الآن المراقب العام الأسبق للجماعة، عبد المجيد ذنيبات، الذي رحب في أول تعليق له بإغلاق المركز العام، مضيفا في تصريح صحافي، أنه «الوريث القانوني المؤهل لاستلام مقارّ الجماعة غير المرخصة» (راجع العدد ٢٣٠٧ في ٢ حزيران 2014). ولم ينكر ذنيبات أن جمعيته طلبت من الحكومة أن تسلمهم المقارّ كافة، لكنه شكك في جدية أصحاب القرار في تنفيذ هذا المطلب، داعيا الكوادر الإخوانية إلى الانضمام إلى جمعيته، التي «لن تغلق الباب في وجههم بما فيهم صقور الجماعة».
في المقابل، أعلنت الجماعة الأمّ «عزمها على اتخاذ كافة الإجراءات القانونية والسياسية لمواجهة الضغوط غير القانونية التي أفضت أخيرا إلى إغلاق مقرها العام». وقالت في بيان عقب الإغلاق، إن «هذا القرار يعيد الأردنيين إلى أيام الأحكام العرفية التي يتعطل فيها القانون والقضاء»، مشيرة إلى أن «الإجراء مخالف للقانون بما يتضمن من تغول على القضاء من جانب الحكومة وأجهزتها التنفيذية برغم القرار القضائي الذي صدر مؤخراً برد طلب إخلاء المركز العام». وأضاف البيان: «نزق الحكومة الحالية، وضيق أفقها، دفعاها إلى التعامل مع أكبر مكون اجتماعي وسياسي ودعوي في البلاد بهذا الشكل المُخالف لكل القوانين المعمول بها».

أعلن ذنيبات استعداده لتسلم الجمعيات مشككاً في نية الحكومة الاستجابة

كذلك استنكر رئيس شعبة الجماعة في جرش، سلمان السعد، إغلاق المقرين، مؤكدا في تصريح صحافي، أن ذلك لن يضير «الإخوان»، لأن «جميع بيوتنا مقارّ للجماعة»، وهي جملة فهم منها مراقبون احتمالية التوجه إلى العمل السريّ. كما ذكر السعد أن مدير مكتب محافظ جرش أبلغهم تسليم مفاتيح مقر الجماعة دون ذكر السبب.
وبينما كان لهذا الإجراء معارضون أغلبهم من الإطار الإخواني القديم، قوبل القرار بارتياح في الأوساط الموالية للحكم والليبرالية. «ما حدث كان متوقعا»، يقول الكاتب باسل رفايعة (ليبرالي)، «المقارّ الموجودة حالياً تتبع لجمعية الإخوان المرخصة، التي ورثت الجماعة بحكم القانون، فيما يستطيع الإخوان ممارسة نشاطهم السياسي من خلال حزب جبهة العمل الإسلامي ذراعهم التنظيمية». يضيف رفايعة، في حديث إلى «الأخبار»، أن «إغلاق المقارّ كان يجب أن يجري قبل عام، وتسليمها إلى الجمعية (الجديدة) التي أعلنت أنها ستخوض الانتخابات النيابية المقبلة».
لكن رفايعة، برغم موقفه الهجومي على «الإخوان»، رأى وجود «حالة من الفصام في الأداء الرسمي تسود تجاه الهياكل الدينية، من خلال تقريب مجموعة وإقصاء أخرى، خوفا من اللجوء إلى العمل تحت الأرض»، مستدركاً: «ما تطالب به القوى المدنية والليبرالية في الأردن منذ سنوات يكمن في حظر الأحزاب الدينية عموما، بموجب تعديل على قانون الأحزاب النافذ حالياً». وهو رأيٌ أيده الكاتب أحمد الجعافرة، الذي قال، إن، «هذه الجماعة تضخمت حتى وصل بها الأمر إلى عدم الانصياع لقوانين الدولة؛ رفضهم الترخيص رسميا يؤكد المخاوف من أن الجماعة الأم داخلها تنظيم سري، تخشى عليه من الانكشاف أمام الرأي العام الأردني، كما ان ترخيص الجماعة يعني أن تكون أموالها تحت نظر الدولة، وهذا ما يخشاه الإخوان».
في المقابل، وصف المراقب العام السابق للجماعة الأم، سالم الفلاحات، في تصريح مقتضب لـ«الأخبار»، الإغلاق بأنه «نتيجة متوقعة مع غياب النهج الديموقراطي في البلاد». كما قالت الكاتبة، ربا كراسنة (إسلامية،) إن «إغلاق مقارّ الإخوان عودة للأحكام العرفية، حيث تتغول السلطة التنفيذية على القضائية»، بل ترى أن ما يجري «عبث باستقرار المملكة الذي ساهم الإسلاميون في الحفاظ عليه على مدى العقود الماضية».
عموماً، فإن ما حدث يؤشر إلى أن السلطات باتت عازمة، ولو بخطوات تدريجية، على إغلاق مقار الجماعة التاريخية (مراقبها الحالي همام سعيد)، وذلك لقطع الطريق عليها في إجراء الانتخابات الداخلية التي حان موعدها، وكذلك تعكير الأجواء عليها قبل استحقاق الانتخابات النيابية المقبلة والقريبة، إلى جانب التمهيد لمشاركة «جمعية ذنبيات» ومن معه، فضلاً عن الانشقاق السابق الذي أنشأ أخيراً «حزب زمزم»، بقيادة الإخواني ارحيل غرايبة.