ارتباك وتخبط وترقب لما سيحدث في الشارع مع محاولة للتذكير بـ«البطولات والإنجازات»، يقابلها تحميل الآخرين مسؤولية ما يفعله وردود الشارع عليه. أكثر من ذلك، «حزنٌ» من السخرية والطعن في وطنيته، هكذا ظهر رجل الدولة ورئيسها، عبد الفتاح السيسي، خلال محاولته في خطاب يوم أمس، تبرير اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، التي بموجبها نُقلت السيادة على جزيرتي تيران وصنافير إلى الرياض.

«الموضوع انتهى وخلص»، هكذا عبّر السيسي عن رغبته في إنهاء ملف تيران وصنافير، ما يعني أنها إشارة إلى البرلمان ليمرر الاتفاقية خلال الأيام المقبلة بعدما وقّعها رئيس الحكومة مع السعودية. اللقاء الذي تحدث فيه الرجل، حضره مجلس الوزراء ووزير الدفاع ونواب وشخصيات عامة، وأطلق عليه «لقاء الأسرة المصرية»، الذي تحول إلى استعراض لإنجازات الرئيس ومحاولة للرد على المشككين في وطنيته وحالة الجدل في الأيام الماضية. تحدث السيسي على الهواء مباشرة لملايين المصريين لنحو 90 دقيقة دون أن يسمح لأحد بمقاطعته وسط تصفيق من الحضور بين حين وآخر، فيما أنهى اللقاء منفعلاً عندما حاول أحد النواب الحديث، فقال: «انا مأذنتش لحد يتكلم» مع وجهه الغاضب، ثم انقطع البث دون اعتذار أو توضيح.
وفي خطوة رمزية ولافتة، جلس وزير الدفاع، صدقي صبحي، بجانب السيسي، ولكنه لم يتكلم، حتى عندما أشار الأخير إلى أن «الجيش لا يتحرك إلا إذا تحرك الشعب المصري مثلما حدث في ثورة 30 يونيو عندما خرج الملايين مطالبين برحيل محمد مرسي»، وهو ما كان المعارضون قد عوّلوا عليه للحشد للتظاهر يوم غد الجمعة في ميدان التحرير، علماً بأنه أقيمت أمس تظاهرة أمام «نقابة الصحافيين» من أجل رفض الاتفاقية؛ من الواضح أن حضور صبحي يدل على تأكيد الرئيس أنه لا يزال يحظى بثقة الجيش وموافقة القوات المسلحة على الاتفاقية، خاصة عندما شدد على أن الاتفاق حصل بعد الاطلاع على جميع الخرائط الموجودة من مختلف الأجهزة السيادية كالمخابرات العامة والحربية، وأنه في حال العكس، كانت هذه الأجهزة ستتحرك من «نابع وطني».

حضور وزير الدفاع بجانب الرئيس خلال البث رسالة بشأن تدخل الجيش

عموماً، نفذ السيسي في كلمته جميع ما قدمت له من نصائح في تقارير تقدير الموقف الأمنية (راجع العدد ٢٨٦٠ في ١٢ نيسان)، فتحدث بلغة العاطفة وظل يذكر المصريين بما حدث من «جماعة الإخوان المسلمين»، محاولاً تحميلها مسؤولية عدة أمور من بينها فقدان الثقة بمؤسسات الدولة... إلى تحميل الرئيس الأسبق حسني مبارك، مسؤولية إعادة حكم تيران وصنافير إلى السعودية، بسبب قرار جمهوري أصدره الأخير عام 1990 بناءً على مخاطبات بين الخارجية السعودية والمصرية آنذاك. لكن «الجنرال» أغفل أن القرار الجمهوري المذكور لم يعرض على مجلس النواب وفقاً للدستور.
الذي تتبع حديث الرجل، لاحظ حرصه على مصلحة آل سعود، بردوده الجاهزة عن تبرير توقيع اتفاقية الجزء التي أدرجها إياها في سياق الاتفاقات الاقتصادية الموقعة لضخ استثمارات سعودية في مصر، باعتبار أن «الشعب السعودي له حق أيضاً على ملوكه»، كأن «يشعر بما يحققونه لهم». وشرح أن ما حصل أخيراً يشبه ما يحدث مع قبرص (إعادة ترسيم الحدود البحرية)، وهو إجراء راهن مع اليونان، في سبيل الكشف عن البترول والغاز.
«أخدت الضربة في صدري»، بهذه الجملة أيضاً، برر السيسي الإعلان المفاجئ عن نقل تبعية الجزيرتين، شارحاً أنه فضل تأجيل الإعلان المتفق عليه منذ شهر تموز الماضي، حتى لا تتأثر العلاقات الثنائية بالمناقشات التي تحدث في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي. وواضح أن الرئيس يتابع جيداً حملات السخرية منه، التي قال إنه يمكن غزوها بكتيبتين، في إشارة إلى اللجان الإلكترونية، محذراً من استخدامها باعتبار أن ما يكتب عليها هو الرأي العام، ثم أظهر حزنه من التشكيك في وطنيته، فردّ قائلاً: «أنا لا أباع أو اشترى».
حاول السيسي الاستعانة بالمفاوض المصري في مباحثات استرداد طابا، مفيد شهاب (الوزير الأسبق للشؤون القانونية والمجالس النيابية) لتبرير موقفه وتأكيد «سعودية» الجزيرتين، الذي قال في إطار البث المباشر لكلمة السيسي، إن هناك فرقاً بين الإدارة والسيادة في القانون الدولي، باعتبار أن مصطلح الملكية غير موجود في القانون الدولي «الذي لا يعترف بمبدأ التقادم». وقال شهاب إن الإدارة مؤقتة والسيادة دائمة، خالصاً إلى أن المباحثات التي بدأت عام 1990 أظهرت أن الجزر تابعة لحدود السعودية، ورافضاً اللجوء إلى التحكيم الدولي باعتبار أنه لا يوجد نزاع أصلاً بين دولتين.
في قضية أخرى، لم يغفل السيسي طرح قصة الشاب الإيطالي جوليو ريجيني، متهماً مواطنيه بتضخيم الأمر والتسبب في أزمة مع روما «التي دعمت مصر في ثورة 30 يونيو»، مشيراً إلى أن انطلاق الأحاديث الداخلية حول تورط أحد الأجهزة الأمنية في قتل ريجيني «دون وجود دليل»، هو السبب في تعقّد الأمر.
عموماً، خسر الجنرال الذي وصل إلى كرسي الحكم بنسبة 96.9% من أصوات المشاركين في الانتخابات، رصيداً جديداً من قاعدته الشعبية، بعدما لم يقدم أي استناد قوي خلال اللقاء الذي انتظره كثيرون. ويبقى السؤال قائماً، حتى الجمعة أو ما بعدها، هل سينجح السيسي في عبور الاختبار الجديد، أم أن التحركات الشعبية سيكون لها رأي آخر؟




الضغوط على المعارضين متواصلة

ضمن الضغوط التي تمارس على العسكريين المصريين السابقين لتغيير مواقفهم بشأن نقل سيادة القاهرة على جزيرتي تيران وصنافير، أصدر المرشح الرئاسي الأسبق أحمد شفيق بياناً جديداً أمس، تراجع فيه عن مطالبته بدراسة الوثائق وانتقاد التنازل المصري بسهولة عن الجزيرتين. وأكد شفيق في بيانه الجديد أن «الجزيرتين سعوديتان وتقعان داخل حدود السعودية»، فيما تحدثت مصادر عن إبلاغ مصر الإمارات، رسمياً، ضيقها من التصريحات التي يطلقها شفيق، خاصة أنه يلقى دعماً من العائلة المالكة هناك.
يأتي ذلك في وقت طلبت فيه الأجهزة الأمنية من الجامعات إخطارها فوراً بأي تحركات أو تظاهرات محتملة للطلاب في سبيل الاعتراض على الاتفاقية، وكذلك معرفة هل هناك طلاب أو قوى سياسية تتحرك من أجل دعم مظاهرات الجمعة أم لا.