اتفق معظم خصوم وأصدقاء قائمة «العراقية» على أنها عادت عن مقاطعتها لجلسات البرلمان والحكومة من دون أن تحقق أياً من أهدافها المعلنة. النائب عبد الرحمن اللويزي، الذي تمرد مبكراً على قرارات المقاطعة، وانشق عن «العراقية» ليؤسس كتلته الخاصة «وطنيون»، لم يكتفِ بالقول إنّ القائمة عادت دون أنْ تحقق أي هدف، بل ذهب أبعد من ذلك، وتحدث بما يشي وكأنّ قرار العراقية العودة عن المقاطعة جاء بأمر من نائب رئيس الأميركي جوزيف بايدن. وبحسب اللويزي، اتصل بايدن هاتفياً بالزعيم الحقيقي لـ«العراقية»، رئيس البرلمان أسامة النجيفي، وبرئيسها المعلن إياد علاوي. وسواء حدث الأمر لهذا السبب المباشر، أو لعدم تحقيق أي هدف، أو لأن «العراقية»، كما كتب محمد خروب في صحيفة «الرأي» البغدادية، بدأت تشعر بـ«الحرج» نفسه الذي بات عليه الائتلاف الكردي، بعدما وصلت قضية نائب الرئيس طارق الهاشمي، إلى طريق مسدود، فإنّ الأزمة الراهنة لم تنتهِ بعد، وربما تكون قابلة للاشتعال بشكل أكثر ضراوة إذا لم تتم حلحلة المشكلات العالقة ومعظمها، كما يرى مراقبون، ذات طابع مصلحي وإداري يتعلق بالمناصب والامتيازات، وتحديداً ما يتعلق بإيجاد حل لمشكلة علاوي الوحيد الذي ظل دون منصب بين أعضاء قيادة القائمة.

الأسباب التي سِيقت لعودة «العراقية» قد تصحّ وقد لا تصحّ، وقد تكون مؤثرة في الحدث بنسبة معينة وقد لا تكون، غير أنّ هناك أحداثاً أخرى جرت خلال فترة الأزمة ولم يتم الربط بينها وبين قرار «العراقية» بالعودة إلى العملية السياسية. من تلك الأحداث، قرار حكومة نوري المالكي المفاجئ بإلغاء قرارات لجنة شؤون الشمال المنحلة، التي شكّلها النظام السابق وتولّت في حينها الاستيلاء على أراضٍ زراعية وسكنية من مالكيها الأكراد والتركمان، مثلما قيل، وأعطيت للعراقيين العرب ضمن سياسة حكومية سميَت «التعريب». قرار المالكي هذا قوبل بالتهليل والتأييد من قبل الأكراد والتركمان، لكنه قوبل بالذهول والحزن من أهالي كركوك العرب، ليس لأنه سيزيل مظالم ألحقها نظام الرئيس السابق صدام حسين بالأكراد والتركمان، بل لأنه كما قال بعضهم يتعامل مع كركوك كبلد أجنبي لا كمحافظة عراقية. ولأنه، ثانياً، سيُلْحق أضراراً بالغة بمواطنين آخرين من عرب كركوك لم تكن لهم علاقة بقرارات لجنة الشمال أو لأنهم اشتروا تلك الأراضي من آخرين. لقد انتبهت «العراقية» متأخرة، وفق بعض مصادر من داخلها، إلا أن قرارات المالكي بهذا الخصوص ألحقت بها أذىً شديداً وجعلتها تتخبط في قراراتها وتصريحات قادتها الميدانيين. وقد رأى محللون عراقيون أن قرار المالكي بإلغاء قرارات النظام السابق كان ضربة معلم من الناحية السياسية البرغماتية، رغم الشكوك التي تحيط به من الناحية المبدئية والوطنية، وقد شكَّل الشرارة التي أشعلت نار الخلافات داخل «العراقية»، وأعطت قصب السبق في النهاية للتيار المنادي بالعودة عن المقاطعة والذي أشيع أن النجيفي والنائب السابق لرئيس الحكومة سلام الزوبعي وجمال الكربولي قادوه، بينما أصرّ على الاستمرار بالمقاطعة كل من نائب رئيس الحكومة صالح المطلك ووزير المالية رافع العيساوي، ووقف علاوي وآخرون في الوسط. أما الهاشمي، فيبدو أنه لم يعد يمارس مهماته القيادية في القائمة، مع ترجيح تأييده استمرار المقاطعة والتصعيد ضد الحكومة.
حدث آخر يعتبره المراقبون ذا علاقة بدفع «العراقية» لاتخاذ قرار العودة إلى البرلمان والحكومة، وهو تلويح كتلة المالكي «دولة القانون» باحتمال تشكيل حكومة غالبية سياسية تحل محلّ حكومة المشاركة القائمة الآن على أسس المحاصصة الطائفية والإثنية. حكومة الغالبية، كما قال قادة «دولة القانون»، لن تستثني مكوناً مجتمعياً عراقياً، بمعنى أنها لن تكون «طاهرة» من الرائحة الطائفية، وستضمن وجود ممثلين للعرب السنة من خارج «العراقية». في هذا السياق، ذُكرت بعض الأسماء كبدلاء لممثلي «العراقية»؛ فقد نُقل عن المالكي استعداده للقبول بترشيح الرئيس الأسبق لمجلس النواب محمود المشهداني بديلاً للمطلك. وهذا التلويح، كما يرى بعض المراقبين، كان له تأثيره أيضاً على الحالة التي كانت تعيشها قيادة القائمة، وكان له مردوده في دفعها لاتخاذ قرار العودة إلى «بيت الطاعة».
من الأسباب الأخرى في هذا المجال، والتي توقف عندها محللون ومراقبون عراقيون، هو ما وصلت إليه قضية الهاشمي. هنا، تخبّطت «العراقية» بين ثلاثة مواقف عبرت عنها تصريحات وبيانات مختلفة: الأول وهو اعتبارها قضية سياسية ينبغي أن تُحل عبر صفقة سياسية. الموقف الثاني اعتبرها قضية قضائية ينبغي تركها للقضاء بعد الحصول على ضمانات بالحياد والنزاهة لتحقيق العدالة. والثالث كان مزيجاً من هذين الموقفين، فهو يعتبرها قضية سياسية وقضائية، وفي الوقت نفسه يمكن البدء بفكفكة جانبها السياسي لتأخذ سياقاتها القضائية في ما بعد.
ثم زاد من تعقيد هذه القضية اعتقال المزيد من أفراد حماية نائب الرئيس المتهم، وزيارة اللجنة البرلمانية ولقاؤها مع عدد من المعتقلين الذين أكدوا عدم تعرضهم للتعذيب أو الضغوط، إلا معتقلاً واحداً زعم العكس، وأثبت الكشف الطبي خلو جسده من أي آثار للتعذيب. مثلما زاد من تعقيدها التصريح الأخير لمجلس القضاء الأعلى الذي ألقى فيه بالمسؤولية على السلطات الحكومية في بثها اعترافات ثلاثة من المعتقلين ونفيه لأي بيان أو ترخيص للقيام بذلك كما زعم المالكي شخصياً.
مهما يكن من أمر، فهذه هي التجربة الثالثة للمقاطعة السياسية التي تحدث في عراق ما بعد الغزو؛ الأولى قادتها «جبهة التوافق»، والثانية قادها علاوي في كتلته القديمة وانتهت بتمرد غالبية زملائه عليه، لكن التجربة هذه المرة حدثت والاحتلال العسكري المباشر انتهى رسمياً، ولم يعد بمقدور السفير الأميركي التدخل بتلك السطوة التي كان يملكها ويضغط على بعض الأطراف الحاكمة. إن عودة العراقية عن مقاطعتها للبرلمان والحكومة، كرّست كما يعتقد بعض المحللين طابعها الفئوي المستمد من غالبية جمهورها الذي صوّت لها في الانتخابات، ولم تعد القطب الوطني المرجو والذي ينافس «الإسلاميين الشيعة»، ويشكل البديل الديموقراطي العلماني حسبما حلم الكثيرون، وتلك تعتبر وفق المنادين بهذا التحليل، أهم وأكبر خسارة حلّت بالقائمة العراقية.
تتنوّع أسباب هذه الهزيمة السياسية وفق الزاوية التي ينظر منها المحلل، لكن وجود علاوي زعيماً لكتلة وتيار سياسي يطمح إلى أن يكون بديلاً وطنياً وديموقراطياً وعلمانياً لحكومة يهيمن عليها إسلاميون، يحرصون على دوام المحاصصة الطائفية، يعبّر في نظر البعض عن أهم تلك الأسباب ذات التأثير السلبي، وربما كان أكثر تأثيراً مما يُقال عن وجود نفوذ للبعثيين الصداميين وبعض الطائفيين من العرب السنة على مستقبلها السياسي ككل. وقد عبر عن هذه الفكرة بأشكال مختلفة ناشطون وكتاب عراقيون علمانيون كُثر، حين أرجعوا عدم تأييدهم أو انضمامهم إلى «العراقية» لوجود زعيمها علاوي، لأنه في نظرهم المسؤول الأول عن قيام المحاصصة الطائفية في العراق والمعروف بارتباطاته الأجنبية التي اعترف بها بلسانه.