لاجئون في دولة المخيّم


ليس حكراً على الفلسطينيين شعورهم بالانتماء إلى دولة المخيم وتعويضهم الحسي العالي لفقدان الوطن الحقيقي والفعلي فلسطين، فما إن يدخل غير الفلسطيني حتى يتعمق شبقه بجدران المخيم، وخاصة إذا مسّته هجرة من نوع ثان أو ثالث عن وطنه الأصلي. توفي اليوم حسين، وهو سوري نازح. أي أنه هُجّر من الجولان إثر احتلاله عام 1967. يعيش في المخيم منذ ذلك الوقت ولم يغادره قط، بل أكثر من ذلك أن حسين، «الآذن» في مدرسة الجليل التابعة للأونروا، والذي يعرفه المخيم كله بوصفه كذلك، لم يكن موظفاً في المدرسة. فما هو إلا رجل اعتاد على هذا العمل منذ أكثر من ثلاثين عاماً. وفاة حسين أعادت لذاكرتي ذكرى خالد الليبي. وهو كما يدل اسمه من ليبيا، التحق بقوات الثورة وهو شابٌ، وعندما توقف الكفاح المسلح في لبنان، جاء مع من جاؤوا إلى سوريا، واستقر في المخيم ولم يغادره لوقتنا الحالي. ليس الرجلان حالة استثنائية هنا. فأبو عادل المصري، الذي كان ينتمي إلى حركة الإخوان المسلمين في مصر أيام السرّية، وعليه حكم قضائي هناك، كان يعمل بائعاً للكتب هنا، وكان يعير أبي الكتب الجديدة لقراءتها وإعادتها. وهناك أبو محمد العراقي، ولعل ابنه محمد هو الأكثر «مخيّمجيّة» من أبيه، فمن المستحيل التفريق بينه وبين أبناء المخيم في لهجته وردود أفعاله، وحتى موديل بنطاله. هو الآخر، واسمه محمد، وُلِد وتزوج وأنجب في المخيم، ولم يغادره على شاكلة الفدائي المتقاعد أبيه الذي لا يزال يحتفظ ببعضٍ من لهجته العراقية. والأمر يختلف هنا عند حمزة الباكستاني الذي فارقته لغته الأصلية بعدما هجرها ولم يعد ينطقها هنا في المخيم، حسين وخالد وحمزة وأبو محمد ومحمد وأبو عادل وصلاح التونسي ... جميعهم بقوا في المخيم، دخلوه بإرادتهم أو رغماً عنهم لا أعرف. لكنهم ظلوا هنا، كأنهم ينتظرون حلاً عادلاً لقضية اللاجئين الفلسطينيين، ولا يريدون أن يتركوا إخوتهم وأصدقاءهم في منفاهم الاختياري أو القسري. فبعد كل ما حدث ويحدث في بلدانهم، لا يزالون لاجئين في دولة المخيّم.
مخيم اليرموك ـــ حسان حسان

حدود المخيّم

من الصعب جداً أن تشعر بالحدود، مهما كان شكلها، إذا لم ترها: طبيعيةً كالجبال والأنهار والبحار، أو صناعيةً كالحواجز الاسمنتية والأسوار والأسلاك الشائكة وغيرها. لكن شيئاً ما غريباً كان يشعرني بحدود المخيم كلما غادرته أو دخلته. بضعة أمتار حين أقطعها أشعر بأني غريب. وإن عدت أدراجي وعبرتها مجدداً بالاتجاه المعاكس، يزول شعور الغربة.
كنت أظن أن شعوري هذا شيء يخصّني، فلم أصرح عنه لأحد. ربما لأنني توقعت أن يستغربه الناس! لكني عندما سمعت أحد الأصدقاء يقول:«لا أدري ما سبب هذا الشعور الذي ينتابني كلما وصلت إلى «حلوة زيدان»، أشعر بأني كنت مسافراً وعدت إلى الوطن» أدركت أني لست الوحيد وأن هناك سحراً ما في هذا المكان المخيم ـــــ الوطن.
تعودت في سنوات شبابي الأولى، وتحديداً في المرحلة الإعدادية، أن أخرج بصحبة الأصدقاء كلما سنحت الفرصة، في العيد مثلاً أو في العطلة الانتصافية وغيرها، وكان هناك ما يغرينا لزيارة الجامع الأموي، وسوق الحميدية وسوق الحمام. وكان هذا المشوار يعتبر مغامرةً من العيار الثقيل، لأن نشاطنا سيكون خارج حدود المخيم! على الرغم من أننا من سكان دمشق، إلا أننا كنا كالسياح تماماً، تملأنا الدهشة بكل ما نراه. وكان من الممكن أن نشتري شيئاً من البسطات المنتشرة في الأسواق، على الرغم من توفره على بسطات المخيم وبنفس السعر والجودة، وأحياناً قد نشتري شيئاً لا قيمة له ولا حاجة لنا به، ولكن في «سوق الحرامية» ما يغريك بالشراء. ثم من الطبيعي عند عودتنا أن نسرد قصصاً للأصدقاء الذين تخلّفوا عن الرحلة ونتباهى أمامهم بما اشتريناه من «البلد»، ومن المؤكد أنهم سيعجبون بـ«اللقطة» التي حظينا بها، لكن ما أذكره تماماً هو شعور الحذر المرافق لي طيلة المشوار، الحذر الممزوج بالغربة، والذي كان يتبدّد لحظة رؤيتي لـ«حلوة زيدان» من نافذة سرفيس «يرموك ـــــ حميدية».
على الرغم من أن بيتي كان بعيداً داخل المخيم، إلا أنّي كنت أحسّ بأني وصلت.
واليوم أغادر المخيم يوميّاً إلى عملي في وسط دمشق التجاري، ولا أزال أحسّ بالشعور نفسه كلما تجاوزت حدود المخيم.
مخيم اليرموك ـــ أيمن عبيد