الخرطوم | ما بين الاستعداد للحرب والرغبة في المضي في التفاوض، تتأرجح التصريحات الرسمية بين أحدث دول العالم، جنوب السودان، ودولة السودان الأم. وبدا واضحاً خلال الأيام الماضية أن أحداً من الطرفين لا يستبعد أن يُجر الى حرب من قبل الطرف الآخر، وحينها لن يكون هناك مناص من الحرب. لكن الحرب، إن وقعت هذه المرة، فإنها لن تأخذ صفة أهلية، كما كانت في وقت سابق، بل ستكون حرب استنزاف قد يطول أمدها بين دولتين وجيشين.


وفيما تمضي الأجواء مع الجنوب نحو الحرب أكثر منها إلى السلام لدى الرئيس عمر البشير، وفقاً لما عكسته تصريحاته الأخيرة يوم الجمعة الماضي، فإن رئيس دولة جنوب السودان سلفاكير ميارديت، حذّر من تجدد النزاع مع الشمال إذا لم تفضِ مفاوضات النفط، التي وصفها بالمريرة مع الخرطوم، الى اتفاق شامل يعالج القضايا الرئيسية الأخرى، وبينها قضية أبيي المتنازع عليها، إضافة الى التوصل إلى صيغة مناسبة بخصوص الخمس نقاط الحدودية المختلف على تبعيتها بين الدولتين.
وميارديت إذ يرفع هذه المطالب مجتمعة مع بعضها البعض، يكون قد غير مواقف دولته التفاوضية، التي آثرت قبل سبعة أشهر أن يجري أولاً التوصل إلى حل في ملف النفط، ومن ثم يُحسم كل ملف على حدة، وكانت تلك الرغبة التفاوضية الجنوبية وقتذاك تمضي في خط معاكس لرغبة حكومة الشمال، التي دعت الى أن يُُنظر في كل القضايا العالقة في جولات التفاوض، وذلك اختصاراً للوقت.
وفيما تسود أجواء عدم الثقة في العلاقة بين البلدين، ولا سيما بعد فشل جولة التفاوض الأخيرة في أديس ابابا، عبرت حكومة الخرطوم عن يأسها من جارها الجنوبي، حيث أعلن الرئيس السوداني عمر البشير أن لا فرصة للتوصل الى اتفاق مع جوبا في ملف النفط، ولا حتى في المستقبل. وقال إنهم «رفضوا التوقيع ولن يوقعوا».
ويرى مصدر حكومي مطلع لـ«الأخبار» أن الشواهد العامة تشير بوضوح الى أن جوبا تمضي في مخططاتها الرامية الى إسقاط حكومة الخرطوم، وهو مخطط بدأ في جنوب كردفان والنيل والأزرق، ليشمل الآن حرباً اقتصادية بالضغط على الخرطوم من خلال وقف ضخ النفط، وبالتالي إدخال الحكومة في ضائقة اقتصادية لن تصمد الحكومة أمامها أكثر من شهرين. وضع لم يكن من المتوقع أن تقف أمامه الخرطوم دون تحريك أيّ ساكن، فكشرت عن أنيابها، وأعلنت عن قرب استخدام الخطة «ب» مع حكومة الجنوب، في لهجة تصعيدية تُستخدم للمرة الأولى منذ إعلان انفصال جنوب السودان في تموز الماضي.
وأعلن وزير الخارجية السوداني علي كرتي استعداد حكومتة للمضي في تفعيل الخطة «ب»، بعدما فشلت الخطة «أ». وقال، في تصريحات صحافية، «نمتلك الكثير من أوراق الضغط ضد حكومة الجنوب، التي أحرقت كل ما لديها من أوراق، وقد حان الوقت الآن للنظر في استخدام الأوراق الأمنية».
ويرى متابعون أن تلك التصريحات تنعى ما ظلّ يؤمن به ويبشِّر به المجتمع الدولي، أي أهمية إقامة علاقات حسن جوار بين الدولتين، وأن تكون العلاقة التكاملية بينهما نموذجاً لأفضل علاقة بين دولتين جارتين، وهو الشيء الذي تعده الحكومة السودانية الآن أمراً غير واقعي، في ظل استخدام الجنوب كل الوسائل المتاحة من أجل إسقاط النظام في الخرطوم. وفصّل المتحدث باسم وزارة الخارجية، العبيد مروح، بواطن «الأوراق الأمنية» التي تلوح بها الحكومة في وجه جوبا، وقال لـ«الأخبار» «مثلما تؤوي حكومة الجنوب المتمردين على الحكومة السودانية، يمكننا أيضاً أن نوفر كل سبل الدعم والحماية للمتمردين الخارجين على حكومة الجنوب، كما أننا سنستخدم الورقة الاقتصادية». وأضاف «إذا هم أرادوا الضغط علينا بواسطة النفط، فنحن سنضغط عليهم بمنع مرور السلع الغذائية، ووقف حركة البضائع»، لافتاً إلى أن تلك الأوراق عبارة عن «عناوين فقط للخطة «ب» التي ستشرع الحكومة فيها متى توصلت الى قناعة بأنه لا فائدة تُرجى من الحوار مع الجنوب، وأيضاً بعد أن تقيم الحجة بإشهاد المجتمع الدولي على ذلك».
ومن هنا يتضح، ومن خلال المؤشرات، أن جولة المفاوضات الجديدة المنتظرة الجمعة المقبل لن تكون حاسمة، وأن نجاحها سيعتمد على ما سيقدمه الوسطاء الأفارقة من أطروحات تجد القبول من جميع الأطراف. وأوضح مروح أن إحدى الإشكاليات التي تقف عائقاً أمام التوصل الى صيغة توافقية عدم وجود أرضية مشتركة ينطلق منها الطرفان، ما يؤدي الى تمديد الزمن دون التوصل الى حل، تاركاً الباب مفتوحاً أمام حدوث مفاجآت في جولة أديس، وإن كان احتمال حدوثها ضعيفاً.
ويرى متابعون أن تمترس الجانبين خلف مواقفهما التفاوضية، هو السبب الرئيس وراء عدم التوصل الى حل ينهي أزمة النفط. ويسود اعتقاد واسع لدى الخرطوم بعدم قرب التوقيع على ما طرحتة الوساطة الأفريقية في العاصمة الإثيوبية، وذلك قياساً على التصريحات التي أطلقها رئيس جنوب السودان قبل أيام قليلة، بأن يشمل التفاوض كل القضايا.
وكشف وزير الدولة في رئاسة الوزراء في حكومة الجنوب، دينق ألور، لـ «الأخبار» عن رفض حكومتة توقيع مقترح الوساطة الأفريقية في الجولة المقبلة أيضاً إذا طرح دون إدخال أيّ تعديل عليه. وأشار إلى عدم قبولهم المقترح الخاص بإعطاء جوبا 35 الف برميل يومياً للخرطوم مقابل استخدام البنى التحتية الشمالية الخاصة بنقل البترول وتكريره، في الوقت الذي تتهم فيه حكومة الجنوب الاتحاد الأفريقي بعدم الحياد، وبأنه يحاول تسويق مواقف تفاوضية تخدم مصالح حكومة الشمال، حسب ألور.
من جهتها، آثرت الشركات الأجنبية، ولا سيما الصينية المستثمرة في مجال النفط في السودان الصمت. إلا أن المراقبين يرجحون أن مفتاح الحل سيكون بيد تلك الشركات متى خرجت عن صمتها حيال الأزمة المتفاقمة.




معركة النفط


على الرغم من أن النفط يمثل عصب الحياة الاقتصادية لكلا البلدين، إلّا أن العناد هو سيد المواقف المعلنة بينهما، حيث تؤكد حكومة جنوب السودان أن اقتصادها لن يتأثر بوقف إنتاج النفط، وأنها تمتلك من الاحتياطي النقدي ما يمكّنها من تسيير أعمالها مدة خمسة أعوام من الآن.
في المقابل، تؤكد حكومة الخرطوم أنها تمتلك من الموارد الاقتصادية الأخرى، غير النفط، ما يمكّنها من النهوض باقتصادها مرةً أخرى، وخاصة بعد اكتشاف معدن الذهب في عدد من الولايات، لكن مع ذلك تقر الحكومة السودانية بأنها ستتأثر بذهاب النفط، حيث أكد وزير الدولة في وزارة رئاسة الجمهورية أمين حسن عمر (الصورة) لـ «الأخبار» أن اقتصاد البلاد حتماً سيتأثر إذا استمر الجنوب في قراره بإغلاق آبار النفط، لكنه استدرك قائلاً «إذا غرق اقتصاد الشمال حتى ساقيه فإن اقتصاد الجنوب سيغرق حتى العنق». وأضاف شارحاً إن «الجنوب لا يمتلك سواء آبار البترول فقط، والحكومة السودانية بعد توقيع نيفاشا تحوطت لاحتمال انفصال الجنوب، فأنشأت كل مصافي التكرير شمال الخط الحدودي مع إقليم الجنوب، بل وضعت كل البني التحتية في مناطق يسهل حمايتها أمنياً».