القاهرة | الآن الآن وليس غداً، هو جوهر مجريات الثورة في مصر حيال إنهاء حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة. فصحيح أن مذبحة مباراة كرة القدم في بور سعيد أسفرت عن استشهاد ما يقارب ثمانين شاباً، لكنها على ما يبدو قضت كذلك على آمال المجلس في بثّ الرعب من الثورة، كما كان يتوقع عبر التحذير قبل الذكرى الأولى للثورة في 25 كانون الثاني الماضي.

ورغم توصية المجلس الاستشاري، في اجتماعه الاستثنائي أول من أمس، بفتح باب الترشح إلى انتخابات رئاسة الجمهورية في 23 من الشهر الحالي ضمن عدد من التوصيات رفعها إلى المجلس العسكري، ملوّحاً بتعليق أعماله إذا لم تستجب مطالبه، لم تتوقف الاحتجاجات بانتظار ردّ المجلس. وتواصلت الدعوة إلى الإضراب العام في 11 شباط، في ذكرى تنحّي الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، لإسقاط حكم العسكر، وأخذت الدعوات تتشعّب حتى يستحيل تقريباً تحديد هوية الداعي.
التوقعات بشأن مدى نجاح الإضراب لا يمكن التعويل عليها كثيراً. فمن رحم الدعوة إلى إضراب عمال شركة غزل المحلة في نيسان من عام 2008 انطلق، على غير توقّع، إضراب عام ناجح بنسبة كبيرة في عموم البلاد، على الرغم من إجهاض الإضراب العمالي بسبب تهديدات الشرطة. لكنه انتهى بانتفاضة عمالية ضخمة أسقطت للمرة الأولى صورة مبارك في ميدان عام وداستها الأقدام.
لكن أغلب الظن أن الإضراب في الجامعات خاصة سيلاقي نجاحاً معقولاً، إذ شهدت الأيام القليلة الماضية، بعد المذبحة، بيانات متوالية من اتحادات طلابية متفرقة تعلن الانضمام إلى الإضراب المزمع. واللافت أنها ضمّت جامعات لم يعرف عنها حركة طلابية تذكر، في بلد تعدّ الجامعات فيه رافداً أساسياً للسياسة، من قبيل جامعة بور سعيد و6 أكتوبر على سبيل المثال.
في غضون ذلك، أعلنت عشرات الحركات السياسية والشبابية مجتمعةً عن تظاهرات متواصلة عبر أرجاء العاصمة المصرية على مدى أسبوع كامل يبدأ اليوم، تحت شعارات عودة الجيش إلى ثكنه وفتح باب الترشيح لانتخابات الرئاسة في موعد أقصاه 11 شباط، وتأليف لجنة للإشراف على الإجراءات الخاصة بانتخابات الرئاسة، فضلاً عن تأليف لجنة برلمانية خاصة لها صفة الضبطية القضائية للتحقيق في جرائم قتل الثوار وتقدم المسؤولين عنها من الشرطة أو الجيش إلى المحاكمة «مهما كانت مناصبهم»، واستصدار قانون يسمح للبرلمان بإقالة النائب العام وسحب البرلمان الثقة من حكومة كمال الجنزوري وتأليف حكومة ائتلاف وطني كاملة الصلاحيات لإدارة ما تبقّى من المرحلة الانتقالية.
أما وزارة الداخلية، المحاصرة من الثوار المثخنين بالجراح من المعارك المتوالية مع جنودها لليوم الرابع على التوالي، فقد اضطرت إلى التراجع خطوة، إذ أعلن وزير الداخلية محمد إبراهيم أن «سجناء طرة من رجال النظام السابق سيجري تفريقهم في القريب العاجل»، على حدّ قوله في مؤتمر صحافي أمس، وذلك بالتزامن مع تداول معلومات عن أن وزير الداخلية المصري تعهّد خلال لقائه بعدد من أعضاء مجلس الشعب ومؤسسات ومنظمات المجتمع المدنى بتجهيز مستشفى سجن طرة قرب القاهرة، في وقتٍ قياسي، تمهيداً لاستقبال الرئيس المخلوع حسني مبارك الذي لا يزال محتجزاً في مركز طبي عسكري.
ويأتي إعلان وزير الداخلية عن تبديل وضعيات رموز النظام السابق كمحاولة لتخفيف الضغط عليه، في ظل مطالب لجنة الدفاع والأمن القومي التي مثل أمامها مساعد وزير الداخلية أحمد جمال الدين، أول من أمس، بـ«إعادة هيكلتها» عبر إقالة قياداتها. وهو مطلب تضمنته كذلك توصيات المجلس الاستشاري.