بينما كان المصريون يحتفلون بالذكرى الأولى لثورتهم واسقاط نظام الرئيس المخلوع، محمد حسني مبارك، وجد اليمنيون أنفسهم مضطرين لمناقشة كيفية المضي قدماً في ثورتهم ووضع تصور لمعالجة أزمات بلادهم خلال «المؤتمر الوطني حول اليمن إلى أين: نحو رؤية معاصرة لبناء اليمن الجديد»، الذي أقيم في القاهرة قبل فترة وجيزة بدعوة من مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الانسان والمنظمة العربية لحقوق الانسان.

الأخبار التي جاءت من اليمن مع أولى جلسات المؤتمر كانت ايجابية، فالرئيس اليمني علي عبد الله صالح كان قد غادر صنعاء متجهاً إلى الولايات المتحدة بانتظار موعد الانتخابات الرئاسية التي ستكرس عبد ربه منصور هادي رئيساً جديداً لليمن في الحادي والعشرين من الشهر الجاري، وهي خطوة يدرك البعض أنها، وإن كانت لا ترضي المحتجين الذين يريدون اسقاط النظام، فإنها تفتح ثغرة في جدار النظام، الذي سيبتعد رأسه بعد أيام معدودة عن السلطة نهائياً، بعدما كان طوال أكثر من 33 عاماً محصناً من أي مساءلة سياسية في مقابل اغراقه البلاد في أزمات ممتدة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب.
هذه الأزمات نفسها، كانت الشغل الشاغل لليمنيين، ليس فقط خلال جلسات المؤتمر، بل وفي النقاشات الطويلة التي كان يحلو لهم الخوض فيها على مدى ساعات.
الأوراق التي قدمت في المؤتمر عديدة وشاملة، تناولت الرؤية المستقبلية لشكل الدولة ونظام الحكم في اليمن فضلاً عن دور الشباب واولويات المرحلة الانتقالية، دور المؤسسة العسكرية، والرؤية الاقتصادية لمستقبل اليمن. في مسألة العبور إلى الدولة المدنية كان تأكيد أن ذلك يتطلب تحول السلطة والمعارضة من رفع الشعارات المرتبطة بفكرة الدولة ومفهومها إلى مرحلة العمل الواقعي، مع ما يتضمنه ذلك من تحويل الولاءات القبلية إلى ولاءات وطنية وتغيير نظام الحكم في اليمن من رئاسي كان مولداً للاستبداد واستملاك الدولة إلى نظام برلماني.
الجيش ودوره كان حاضراً أيضاً، فالأخير يعاني من تضخم عديده وتمثل ميزانيته نحو 40 في المئة من ميزانية الدولة، فضلاً عن كونه تحول في عهد صالح إلى جيش العائلة، ولذلك لا بد من ابتكار آليات جديدة للعمل على الابتعاد بالمؤسسات العسكرية والأمنية من الوقوع مرة أخرى تحت القبضة الاستفرادية عبر إعادة هيكلة الجيش والأمن والاستخبارات وتصحيح أدوارها.
وفي ما يتعلق بمسار الثورة، كان اقرار صريح بأن الشباب الذين خرجوا إلى الساحات منذ أكثر من عام نجحوا في جعل التغيير أمراً حتمياً في اليمن، وإن كان الاختلاف حول مدى التغيير المطلوب يطرح ضرورة تنظيم علاقة الفاعلين في الثورة ببعضهم. فانضمام أحزاب اللقاء المشترك للثورة وتأييدها، وفقاً لورقة قدمت من نقيب الصحافيين السابق عبد الباري طاهر، مثّل «رافداً مهماً في المجرى العام ولكنه خلق إشكالية المساومة السياسية، الأمر الذي أدى إلى فرملة اندفاع الثورة والسيطرة على الساحات، وجعلها ورقة مساومة مع النظام. وفيما كان هدف الثورة إسقاط النظام، وقفت المعارضة عند تخوم التوافق السياسي حسب المبادرة الخليجية».
وهي مبادرة، لم يخف الحضور الشبابي الطاغي في المؤتمر امتعاضه منها، لكن الغالبية منهم فضلت الحديث بواقعية عن كيفية التعاطي معها. همدان، القادم من ساحة التغيير في صنعاء، يشير إلى أن «المبادرة الخليجية استطاعت أن تكون واقعاً في الأفق الثوري اليمني العام»، لافتاً إلى أنها «لم تنتقص من أهداف الثورة إلى المستوى الذي يجعلنا نرفضها رفضاً باتاً لكننا نقول إنها لا تمثل كل مطالبنا، وبناءً على هذا سنتعامل معها كشباب ثورة كعامل إلى جانب مجموعة عوامل سننطلق من خلالها لاستكمال أهداف الثورة».
أما في ما يتعلق بموقف المعارضة، وخصوصاً في ظل الانتقادات التي تتعرض لها، يقول همدان «أنا شخصياً أرى أن المعارضة تصرفت بشكل يقتضيه الصالح الوطني مع وجود بعض الهفوات التي قد نبررها، وأنا أسأل ما الذي بإمكان ناقدي المعارضة أن يقدموه بديلاً ثورياً ينتهي بنا للحسم مع الحفاظ على البلد من التشظي والاختراب».
ويضيف «مطلوب مزيد من الاصطفاف الوطني بين القوى الثورية المختلفة، لأن الحسم عندنا أخذ شكلاً مختلفاً عن مصر وتونس، فهو عبارة عن اتساع لدائرة الثورة على حساب دائرة بقايا النظام، وهذا لن يتم بأكمل وجه إلّا إذا وسعنا دائرة الاصطفاف بما سيفوت الفرصة على الثورة المضادة والمشاريع الإقليمية والدولية السلبية».
بدوره، يؤكد الناشط في الحركة الاحتجاجية، هاني الجنيد، أن «المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية قدمت الحد الأدنى من مطالبنا كثوار، لكنها مثلت خريطة طريق مزمنة لعملية التغيير السلمي السلس والآمن للسلطة، إلى جانب أنها جنبت اليمن مخاوف انزلاق الأمور نحو العنف والذهاب نحو حرب أهلية». ويضيف «السؤال الآن ليس كيفية إسقاط هذه المبادرة، وإنما في كيفية إنفاذها وتوفير الآليات والضمانات اللازمة لذلك، وصولاً إلى تحقيق بقية أهداف الثورة المتمثلة في بناء الدولة المدنية الحديثة».
من جهته، يقدم الناشط اليمني محمد، على الرغم من عدم مشاركته في المؤتمر، رؤية مماثلة، مشيراً إلى أن «رفضه للمبادرة لا يعني أن بالإمكان الغاءها»، مضيفاً «أنا ادرك أنها اصبحت مفروضة لكني سأبقى متمسكاً برؤيتي في أن المبادرة لا تضمن حل كافة أزمات اليمن ومشاكله المتراكمة». ولفت إلى أن «نجاحها رهن بشرط اعادة هيكلة الجيش؛ فاذا تم دمج الجيش وأعيدت هيكلته، بمعنى عزل الأسرة بالكامل، يمكن أن يرضى الشعب عنها ويمكن للمبادرة أن تخطو نحو الأمام، وإلا فهي العودة الى مربع الصفر وقد تنحو الثورة منحى آخر».
وفي مقابل اصرار بعض الشباب على تحميل أحزاب اللقاء المشترك مسؤولية جعل المبادرة واقعاً مفروضاً، دافع معارض يمني، منخرط في أحزاب اللقاء المشترك فضّل عدم الكشف عن اسمه، عن أداء هذا المكون المعارض، مؤكداً أنه في الختام إلى جانب المحتجين وليس ضدهم. ويفضّل المعارض اليمني بدء حديثه بالقول «الثوار في بلادنا لديهم أجهزة ارسال ولا يملكون أجهزة استقبال»، في محاولة منه لتفسير موقف المحتجين الذين رفضوا الاعتراف بالمبادرة الخليجية. وهو رفض يجده المعارض اليمني أكثر من مبرر من وجهة نظر ثائر يسعى للتغيير الجذري، وليس في نظر سياسي يدرك أن التغيير في بلد مثل اليمن لا يمكن أن يتم إلّا عبر تسويات سياسية تأخذ بعين الاعتبار عوامل قوة خصمه الداخلية كما الخارجية والسبيل الأنسب لتفكيكها.
وهو التفكيك الذي يتحدث المعارض اليمني عن أن بدايته كانت بجر الرئيس اليمني للموافقة على المبادرة الخليجية، ومن ثم إلزامه تطبيقها ليجد نفسه مجبراً على التحول إلى رئيس شرفي استعداداً أمام انتخاب نائبه بديلاً عنه ضمن مرحلة انتقالية ستمتد لعامين، وهي فترة يؤكد أنها ستكون فرصة اختبار لنوايا جميع الاطراف السياسية الفاعلة على الساحة اليمنية في الشمال كما في الجنوب.
تفاؤل المعارض اليمني بالمنحى الذي من المنتظر أن تأخذه البلاد في الأشهر المقبلة مرده أسباب كثيرة. البداية من التغييرات التي ستحدثها الانتخابات وتحديداً اختيار هادي رئيساً، اذ إن الرئيس الجديد سيتم اختياره للمرة الأولى بعيداً عن قبيلة حاشد، التي راكمت النفوذ السياسي والاقتصادي إلى جانب نفوذها القبلي على مدى السنوات الماضية، مستفيدةً من وجود صالح وأقاربه في الحكم، كما أن هادي سيكون أول رئيس جنوبي في تاريخ اليمن، وهو ما قد يفتح المجال أمام بحث قضية الجنوب، حيث يتصاعد مطلب فك الارتباط عن الشمال بهدوء يؤدي في نهاية المطاف إلى تبني شكل نظام حكم جديد للبلاد، يلبي الحد الأدنى من طموحات الجنوبيين ويحفظ للبلاد وحدتها ولو مرحلياً، دون أن يمنعه ذلك من التحذير من أياد خارجية اقليمية تحاول جعل اليمن غارقاً إلى ما لا نهاية في مشاكله، لتكون مناسبة منه لتوجيه رسالة للقيادات الجنوبية محذراً إياها «من النوايا غير المعلنة لبعض الأطراف الخارجية وضرورة عدم رهانهم عليها لأن لن تجر اليمن إلا إلى الهاوية».
سبب آخر للتفاؤل، يقدمه المعارض اليمني، مرتبط بدور أحد أبرز أحزاب اللقاء المشترك والمتمثل بحزب التجمع اليمني للإصلاح، لافتاً إلى ان المخاوف من سيطرة الاسلاميين على السلطة في اليمن لا داعي لها.. أولاً لأن البلاد اسلامية الطابع. وثانياً لأن الإصلاح من وجهة نظر المعارض اليمني براغماتي إلى أبعد حد، يمتلك آلية لاتخاذ القرارات تجعل من عملية التفاوض معه أمراً يسيراً، فضلاً عن أن القيادي الأبرز فيه حميد الأحمر هو، إلى جانب كونه سياسياً، رجل أعمل يمتلك ثروة كبيرة ويدرك أن لا سبيل للحفاظ عليها وتعزيزها إلّا بالاستقرار.
أما في يتعلق بأداء الحوثيين خلال الفترة الماضية، فيتحدث المعارض بإيجابية حذرة عن الدور الذي لعبه الحوثيون في الثورة ومواكبتهم لها. وهو إن كان لا ينكر دورهم، لكنه يشير إلى وجود امتعاض من الحروب الجانبية التي خيضت في صعدة وجوارها طوال أشهر الاحتجاجات. كذلك يؤكد المعارض اليمني أن لا أحد ينكر حق الحوثيين في توسيع تحالفاتهم ونفوذهم في اليمن متى ما كان في الاطار السياسي، أما العسكري «فهنا مكمن الخطر»، وفقاً لما يؤكد.
أما الحل، فيكمن في الضغط على الحوثيين والاصلاح وباقي الأطراف المسلحة لتسليم ما يمتلكونه من أسلحة ثقيلة لأن الحديث عن الدولة المدنية ورفع شعار المطالبة بها يتطلب أفعالاً وليس مجرد أقوال.




حلّ عادل للقضية الجنوبية

قضية جنوب اليمن كانت حاضرة بقوة في المؤتمر من خلال المداخلات التي قدمها البعض، والتي شددت في معظمها على ضرورة منحها الأولوية في المعالجة، على عكس وزير المال السابق سيف العسلي الذي تحدث في مداخلته عن أن حل مشكلة المياه والكهرباء أهم من القضية الجنوبية، مثيراً اعتراضات عليه.
أما الوثيقة الختامية للمؤتمر، التي حملت عنوان «وثيقة القاهرة» وصدرت أول من أمس، فخصت القضية الجنوبية بعدد من التوصيات، بينها التشديد على ضرورة «معالجة وحل القضية الجنوبية باعتبارها قضية وطنية وجوهر حل المشكلات اليمنية المختلفة، ولا يمكن الحل إلا بما يتفق عليه ويرتضيه الجنوبيون أنفسهم». كذلك أوصت الوثيقة بـ«إدانة حرب 94 التي كانت حرباً ظالمة ومدمرة للمجتمع والوحدة، وضرورة معالجة كافة آثارها وإعادة كافة الحقوق للمتضررين منها»، فضلاً عن «اعتماد نظام الفيدرالية نظاماً للحكم».