القاهرة | «الإضراب مشروع ضدّ الظلم وضدّ الجوع»، هذا ما ردّده عمال وأطباء ومدرّسون ومهندسون في وجه النظام المخلوع لحسني مبارك، لكن مع مرور ما يزيد على عام على اعتلاء المجلس العسكري مقعد الرئيس، رأى الشباب والقوى السياسية أنّ الإضراب مشروع أيضاً ضدّ العسكر أو «المجلس المخلوع»، كي تكون على قافية الهتاف.

أما القانون المصري، فرؤيته للحق في الإضراب متناقضة وملتبسة؛ ففي الوقت الذي تجرّم فيه المادة 124 من قانون العقوبات الإضراب وتنص على أن «كل موظف ترك عمله أو امتنع عن عمل من أعمال وظيفتة بقصد عرقلة سير العمل أو الإخلال بانتظامه يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز ستة أشهر أو بغرامة لا تتجاوز 500 جنية، ويضاعف الحد الأقصى لهذه العقوبة اذا كان الترك أو الامتناع من شأنه أن يجعل حياة الناس أو صحتهم أو أمنهم في خطر أو كان من شأنه أن يحدث اضطراباً أو فتنة بين الناس، أو اذا أضر بمصلحة عامة»، فإن الدستور المصري ينص على أن المعاهدات والمواثيق الدولية، التي يصدق عليها وتعد جزءاً من القانون الداخلي، وعليه تكون مصر ملزمة بتطبيق العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الذي يكفل حق الإضراب في مادته الثامنة.
وكان نظام مبارك قد أصرّ، رغم المواثيق الدولية، على ابقاء المادة 124 بل ودعمها عبر رفع قيمة الغرامة، وقد حاول الاستفادة منها في 1986 بعد إضراب عمال السكة الحديد، بحيث أحالهم إلى المحاكمة، إلا أن القضاء برأ العمال وأكد إلغاء العمل بتلك المادة منذ تاريخ توقيع الحكومة على العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فكانت الحكومة له بالمرصاد عبر إقرار قانون العمل رقم 12 لعام 2003، الذي نص على حق العمال في الإضراب بشرط استيفاء عدد من الشروط التي تجعل من ممارسته أمراً مستحيلاً، وهي أن يكون الإضراب سلمياً وعن طريق النقابات العمالية ويكون هدفه الدفاع عن مصالح العمال الاقتصادية والمهنية والاجتماعية، كما حظرت الإضراب أو الدعوة إليه في المنشآت الاستراتيجية أو الحيوية، وهي‏: ‏منشآت الأمن القومي والإنتاج الحربي والمستشفيات والمراكز الطبية والصيدليات والمخابز ووسائل النقل الجماعي للركاب،‏ وسائل نقل البضائع ومنشآت الدفاع المدني ومنشآت مياه الشرب والكهرباء والغاز والصرف الصحي ومنشآت الاتصالات ومنشآت الموانئ والمطارات والعاملين في المؤسسات التعليمية.
المجلس العسكري، بدوره، أوقف العمل بالدستور برمّته، لكنه لم يوقف العمل بتلك المادة، بل قام بتعظيم قدرها وتحويلها الى مرسوم بقانون أطلق عليه قانون «تجريم الاعتداء على حرية العمل وتخريب المنشآت» أصدره في 12 نيسان الماضي ليرفع عقوبة الاعتصام والإضراب الى الحبس من عام الى 5 سنوات، اضافة الى غرامة قد تصل الى نصف مليون جنيه (85 ألف دولار).
ومع أن الأنظمة استخدمت القوانين لتنال من الحق في الاعتصام والإضراب، فان القضاء المصري عاد وأنصف المعتصمين والمضربين؛ فقد رفضت محكمة جنح مدينة نصر أخيراً تطبيق نصوص قانون منع التظاهر وقضت ببراءة عدد من المدرسين من تهم الاشتراك في وقفة احتجاجية أثناء سريان حالة الطوارئ، مستندة الى أن احتجاج المدرسين لا يعدّ جريمة بل يدخل في نطاق حرية التعبير والتظاهر السلمي، وهو ما سبق أن انتهى إليه القاضي حكيم منير صليب الذي قضي ببراءة جميع المقبوض عليهم في أحداث 17 و18 كانون الثاني 1977 المعروفة بانتفاضة الخبز، والتي أطلق عليها أنور السادات «انتفاضة الحرامية»، وقبض خلالها على 176 متظاهراً ووجه اليهم اتهامات بقلب نظام الحكم.
«لا يوجد نص قانوني يمكّن المجلس العسكري من ملاحقة المتعصمين وتجريم الإضراب»، يطمئن رئيس المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، المحامي خالد علي، القوى والتيارات السياسية والعمالية التي قررت المشاركة في الإضراب، قائلاً إن «تنفيذ المرسوم الصادر عن المجلس العسكرى رقم 34 لعام 2011 بتجريم الاعتصام والإضراب مرهون بسريان حالة الطوارئ»، وما دام المجلس العسكري أصدر قراره باقتصار حالة الطوارئ على جرائم البلطجة، فإن هذا المرسوم يسقط. ويبقى المبرر الرئيس لجماعات رفض الإضراب هو أن «الظروف لا تسمح»: من يردّد مثل هذا الكلام هم إما رجال أعمال يخشون على مصانعهم، أو رؤساء أحزاب يخافون من ضياع بعض المكاسب السياسية أو «أغلبيه صامتة» منذ عهد مبارك؛ ولذلك فإن إضراب 11 شباط سيعبر عن فئات العمال والفلاحين والطلبة الذين أكدوا مشاركتهم في الإضراب. أما رهان العسكر ورجاله فيبقى على القوى الإسلامية، التي أعلنت عدم مشاركتها في هذا الإضراب، بل دعت المواطنين الى عدم الالتزام به.