قبل أيام كان بضعة شبان وشابات من سكان اللاذقية يهمون بدخول صالة عرض سينمائي خاصة داخل أحد المقاهي بعدما رتّبوا حجزاً مسبقاً كما تقتضي تقاليد المحل. في اللحظات الأخيرة سارع أحد العاملين ليطلب منهم التمهّل لأن «طارئاً استجد». بعد دقائق عُرف السبب: «ابن (فلان) أجا هلأ وبدّو يفوت يحضر فيلم بالصالة». لم يحلّ الحجز المسبق، ولا كونهم من الزبائن الدائمين بين أصحاب الصالة وبين الاعتذار منهم بارتباك كبير لأنّ «الأمر فوق طاقة الجميع، لا نستطيع أن نقول لابن (فلان) لا. سيسبب الأمر لنا أذى كبيراً».

كان الضيف الطارئ فتىً لم يتجاوز الثانية عشرة وهو ابن واحدة من العائلات النافذة تاريخياً في المدينة، يرافقه عنصر بالزّي العسكري. اكتفى أصحاب الحجز (ومن بينهم صحافيون) بالمغادرة احتجاجاً، والاتفاق على مقاطعة المكان نهائيّاً. للوهلة الأولى ستبدو هذه المقدّمة بعيدة كل البعد عن موضوع «الانتخابات البرلمانية في اللاذقية»، لكنها في واقع الأمر تتقاطع معها بشكل كبير. فالمدينة التي اعتاد أبناؤها استئثار فئات معيّنة بمعظم «خيراتها» لم تشذَّ عن هذه القاعدة في مشهد «العرس الديقراطي».

«سكّروا» القائمة


حلّت «قائمة الوحدة الوطنيّة» محل ما كان يعرف بـ«قائمة الجبهة الوطنية التقدمية» في الأدوار السابقة. وهي عبارة عن تحالف بين «حزب البعث»، وعدد من الأحزاب الأخرى أبرزها «الحزب السوري القومي الاجتماعي». يُسلم الجميع بأنّ نجاح مرشحي «القائمة» أمر مفروغ منه، وتضمّ سبعة مرشحين عن «القطاع أ» وستة عن «القطاع ب». ما مجموعه ثلاثة عشر مقعداً «محجوزاً» من أصل سبعة عشر مقعداً مخصّصاً للمحافظة في المجلس. قبل يومين أفرزت «قرارات اللّحظة الأخيرة» توجيهات من «القيادة» بإدراج أربعة أسماء «مستقلّة» في القسم الأكبر من الأوراق المطبوعة لـ«قائمة الوحدة»، وهو إجراء مألوف منذ عشرات السنين يُعرف باسم «تسكير (إغلاق) القائمة». وبمعنى آخر، قطع الطريق على أي اختراق يمكن أن يُحدثه مرشح ما، وحصر الفائزين بأسماء محددة سلفاً.

مشاركة متواضعة


جولة امتدّت بين الثامنة صباحاً، والرابعة مساء على عدد من أكبر المراكز الانتخابيّة كانت كفيلةً بملاحظة إقبال متواضعٍ من النّاخبين. وعلاوةً على ذلك، تجلّت المفارقة الطريفة في خلوّ معظم تلك المراكز من وكلاء المرشّحين باستثناء وكلاء «قائمة الوحدة الوطنيّة». كانت مشاهدة سينما الكندي (الشيخ ضاهر) مفتوحة الأبواب أمراً لافتاً وغير معتاد بعدما كادت «تخرج من الخدمة». ليتضح أنّها تحوي صندوقاً انتخابيّاً. لكن ذلك لم يُجدِ نفعاً ولم يجتذب «روّاداً». خلال نصف ساعة أدلت ناخبة واحدة بصوتها، وحتى الساعة الواحدة ظهراً كان عدد الأسماء المدوّنة في «سجّل النّاخبين» 71 اسماً. في مدرسة الكرمل (حي الأميركان) لم يكن الحال مختلفاً كثيراً، باستثناء «هبّتين» جلبت كل منهما حشداً من الناخبين. تبيّن أنّهما مجموعتا موظّفين في دائرتَين رسميّتين ترأّس كلّاً منهما مدير الدائرة، وجاء الجميع للتصويت لـ«الوحدة الوطنيّة». مركز «مشفى الأسد» (شارع 8 آذار) كان أكثر نصيباً من سواه في عدد الناخبين، ليتبين أنّ السبب هو كثرة الموظّفين فيه. اهتمَ القائمون على المركز ببعض تفاصيل «العرس» فاستمرّ صوت «الأغاني الوطنيّة» هادراً منه على مدار اليوم. في مركز «مدرسة غسان حرفوش» (حي الأميركان) كان الوضع مختلفاً. اختفت الأغاني الوطنية وتولى صوت الطالبات المنبعث من أحد الصفوف المهمّة، ليحظى الناخبون الثلاثة الذين دخلوا المركز (خلال 45 دقيقة) بخلفية موسيقية امتزجت فيها أغنيات «تي رشرش» بـ«طل الصبح» و«خمس صبايا حد العين».

«مخالفات» بالجملة


في معظم المراكز التي زارتها «الأخبار» لم تُشاهد الأوراق البيضاء المخصصة للتصويت، واقتصر الأمر على أوراق مطبوعة سلفاً لـ«قائمة الوحدة الوطنيّة» يزود بها كلّ راغب في التصويت. حضرت الأوراق البيضاء في عدد قليل من المراكز من دون أن تُعطى للنّاخب إلا إذا طالب بها، فيما كانت «القائمة» توزّع على الجميع. «الغرفة السرية» لم تُستخدم في معظم المراكز. وفي بعض المراكز (مثل مشفى الأسد) حضر مشهدٌ مألوف: شخص واحد يصطحب معه رزمة بطاقات شخصية (هويات) ويسلمها لأمين الصندوق الذي يدوّن الأسماء في السجل، ويضع أوراق انتخاب «الوحدة الوطنية» في الصندوق.

البرهان المطلوب
أثَر الحبر في
إصبع الطالب


في الجامعة: الانتخاب «حق» إجباري!

بعض كليات جامعة تشرين كانت مسارح لحالة «قمعٍ» عامة. في كلية الآداب أُغلقت الأبواب ومنع الطلاب من المغادرة ما لم يظهروا برهاناً على قيامهم بـ«ممارسة الحق الانتخابي». البرهان المطلوب أثَر الحبر على إصبع الطالب. مع وصولنا كانت الأبواب مفتوحة أمام الداخل والخارج، وأكّد عددٌ من الموجودين لـ«الأخبار» أن إغلاق الأبواب استمر حتى الساعة الواحدة والنصف. بحلول الساعة الثانية كان عدد الأسماء المدوّنة في سجّل الناخبين لواحد من الصندوقين المخصصين للإناث قد بلغ 271 اسماً. الكلية شهدت أيضاً حالات انتخاب جماعي بصيغة «الإحضار موجوداً». جال عدد من «أعضاء الهيئة الإدارية» على قاعات المحاضرات وطلبوا من المحاضرين إخراج الطلاب واصطحبوهم ليدلوا بأصواتهم «طوعيّاً». حالة «القمع» ومنع مغادرة من لم ينتخب تكررت في مبنى تتشاركه كليات الهندسة المدنية، وهندسة العمارة، وهندسة الميكانيك. كانت «الأخبار» شاهداً على تحكم عدد من «أعضاء الهيئة» بباب وحيد ترك مفتوحاً، وتكرّر مشهد «معاينة الأصابع» وسط صراخ «الأعضاء» بالطلاب. بعدها؛ جُمعت هويات معظم الموجودين قرب الباب، وأرسلت إلى «الصندوق» لتدون الأسماء، وتوضع أوراق الانتخاب «غيابياً». عادت الهويات لينادى على أسماء أصحابها، ويطلق سراح كل «مُنتخِب» بعد أن يأخذ «كتابه بيمينه». المتحكمون بالباب أكدوا أنهم ينفذون «قرار العميد». انطلقنا إلى مكتب عميد الهندسة المدنيّة (ميشيل ياخور) لنستوضح الأمر. قلنا «نحن طلاب ونريد المغادرة دون أن ننتخب». وبلطف شديد سرد على مسامعنا محاضرة مطولة عن «أهمية أداء واجبنا الوطني وعدم التخاذل»، وحين يئس من «إقناعنا» أكد أنه ليس صاحب قرار إغلاق الأبواب. في مكتب عميد «الهندسة المدنية» أكد لنا الموظفون أن «العميد لا علاقة له، شوفوا الفرقة الحزبية». أما عميد كلية «الهمك» (د. وليد صيداوي) فكرّر المحاضرة عن «الواجب الوطني» ولكن بلهجة حادّة، وأكد أن هذه «تعليمات رئاسة الجامعة». ومع كشفنا عن صفتنا الإعلامية وإبراز «الثبوتيات الرسمية» صب علينا العميد علينا اتهامات بـ«اللاوطنية، والتخريب» وأكد أنه سيحاسبنا «إذا جبنا سيرتو»، ليختم بالقول «أنا ما مسموح إلي احكي مع صحافة، شوفوا رئيس الجامعة».