صنعاء | أقل من أسبوع ويدخل اليمن مرحلة جديدة في تاريخه المعاصر. في صباح الواحد والعشرين من شباط الحالي يذهب اليمنيون إلى صناديق الاقتراع لترشيح عبد ربه منصور هادي رئيساً توافقياً للبلاد، في حين يذهب علي عبد الله صالح، رسمياً، إلى النسيان والتاريخ. لن يكون سهلاً على الرجل الذي حكم اليمن طوال ثلاثة وثلاثين عاماً أن يرى ذلك النائب الديكوري وقد تحوّل بين ليلة وضحاها إلى حاكم للبلد الذي كان سعيداً.


لكن صالح واقع تحت ضغط دولي أجبره على اتخاذ هذه الخطوة، بعدما حصل على حصانة تحميه من أي ملاحقات قضائية قد تطاوله بسبب الجرائم التي ارتكبها طوال فترة حكمه، واختتمها بكل جرائم القتل التي ارتكبها في حق شباب الثورة السلميين. ومع هذا لا يبدو أنه قد سلّم الراية نهائياً، فها هو يخرج منه تصريح بين وقت وآخر، من مقر إقامته الحالي في الولايات المتحدة الأميركية التي لجأ إليها بغرض العلاج، ومن هناك يقول إنه عائد إلى البلاد قبل حلول موعد الانتخابات الرئاسية المبكرة للمشاركة في تنصيب نائبه منصور هادي رئيساً لليمن. الذين يعرفون صالح جيداً يدركون أنه عازم على فعل شيء له علاقة بعرقلة الانسيابية التي تمر بها مراحل التجهيز ليوم الانتخاب المُرتقب، وأنه لن يترك الأمور تذهب إلى نجاحها وترك الطريق سالكة لرجل غيره للدخول إلى القصر الرئاسي، الذي شهد ثلاثة وثلاثين عاماً من عمره وولادة العديد من أبنائه وأحفاده فيه.
من هنا، ومن خلال قراءة العقلية التي يفكر بها علي عبد الله صالح الأحمر، يمكن توقع أي شيء قد يحدث في الفترة القصيرة المتبقية لوصول اليمنيين إلى المراكز الانتخابية. تلمّس بعض الظواهر التي بدأت في تسيّد المشهد المحلي تشير إلى التخوف الذي يبديه البعض من مقاومة صالح الأخيرة، وبينها الانفلات الأمني غير المسبوق الذي تشهده بعض المدن اليمنية الرئيسية مثل تعز وصنعاء وعدن. وعلى الرغم من عدم حدوث أي مواجهات مسلحة خلال الفترة الماضية، هناك انتشار كبير لمسلحين في تلك المدن يرتدون الزي المدني، ويرهبون الناس، وصولاً إلى نهب ما يكون في أيديهم. يضاف إلى ذلك انتشار شائعات على نطاق واسع بين المواطنين، تخبرهم بأن لا ضرورة لذهابهم إلى صناديق الاقتراع صباح الواحد والعشرين من شباط لاختيار رئيس للجمهورية، إذ إن المرشح واحد سيأتي إلى الرئاسة بطريقة توافقية تنفيذاً لبنود المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية التي وقّعت عليها مختلف الأحزاب اليمنية. وفي هذا السياق، قال مصدر أمني مطّلع، فضّل عدم ذكر اسمه، إن هذه حيلة تنفذها عناصر أمنية هدفها التقليل من حجم الاندفاع الشعبي باتجاه صناديق الترشيح. وقال المصدر، في حديث مع «الأخبار»، إن القصد من هذه الحيلة «إظهار عبد ربه منصور هادي كشخصية غير مرغوبة من قبل اليمنيين، وهو ما يعني في الوقت ذاته أن المسألة في صورتها الأخرى ما هي إلا استفتاء على شعبية صالح التي ستظهر، عبر إحجام الناس عن الذهاب إلى الاقتراع، أنها لا تزال في قوتها وأنهم لا يزالون يرغبون في صالح رئيساً لهم».
من جهة أخرى، وبعد الإعلان الرسمي يوم الثلاثاء الماضي عن ترشيح عبد ربه منصور هادي لمنصب رئيس الجمهورية وبدء الحملة الانتخابية التي وقف الاتحاد الأوروبي خلفها ودعمها مادياً، ظهرت صور المرشح التوافقي الوحيد في شوارع المدن اليمنية بأحجام ضخمة، قبل أن تظهر بعد ذلك بوقت قصير الصور ذاتها في أحجام أكثر ضخامة تحمل صوراً تجمع بين علي عبد الله صالح وبين نائبه عبد ربه منصور هادي.
لم يقدر الناس في بداية الأمر فهم حقيقة ما يرون من صور جرى تعليقها على وجه التحديد في النصف الجنوبي من العاصمة صنعاء، وهي المنطقة الواقعة تحت سيطرة نجل الرئيس أحمد. فما دخل صورة علي صالح في الأمر؟
يقول الباحث أحمد البيلي إن المسألة لا تعدو أكثر من كونها رغبة أخيرة من أنصار صالح في قول إن زعيمهم لا يزال الرئيس الفعلي في البلاد، وإن كل ما يحصل الآن من الإعداد لعملية انتخابية ستأتي برئيس غيره لليمن لم تكن لتحصل بغير موافقته ورضاه. وأضاف البيلي، في حديث مع «الأخبار»، أن ما يؤكد هذا القول أن كلفة إصدار تلك الصور الضخمة وتعليقها لم يجر الإنفاق عليها من قبل اللجنة العليا للانتخابات أو الهيئة العامة للتوعية المكلفة بحملة ترشيح هادي.
من جهته، يذهب الصحافي عبد الحكيم هلال، مدير تحرير صحيفة «المصدر»، إلى القول إن الهدف من وراء إصدار تلك الصور المشتركة بين صالح وهادي إنما يأتي في سياق إظهار هادي أنه لا يزال تابعاً لصالح. ووفقاً لما أكده هلال، في حديث مع «الأخبار»، فإنه يمكن تأويل هذا التصرف بأنه يسعى إلى ربط صورة هادي بتاريخ صالح السيّئ، وبالتالي ضربه في العمق، «ما سوف يؤدي إلى إحجام الناخبين عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع». أما الصحافي في صحيفة «الثوري»، الناطقة باسم الحزب الاشتراكي اليمني، خالد عبد الهادي، فعلّق على هذه الخطوة بالقول إنها عملية قامت على أساس من اجتهاد شخصي من قبل رجال أعمال ومراكز قوى تابعين لحزب صالح الذي كان حاكماً. وأشار عبد الهادي، في حديث مع «الأخبار»، إلى أن هذه الصور، إضافة إلى الفواصل الدعائية التي يجري بثّها عبر التلفزيون اليمني الرسمي للترويج للانتخابات الرئاسية المبكرة يجري افتتاحها بعبارات تؤكد الدور الذي قام به صالح في هذه العملية برمتها، وذلك لأنه «الرجل الذي سمح بإجراء هذه العملية الديموقراطية التي كان راعيها الأول في البلاد». وفي المحصلة، يبقى المشهد اليمني، خلال الأيام الستة المقبلة على البلاد، مفتوحاً على احتمالات كثيرة لا يمكن توقعها أبداً، وذلك اعتماداً على حقيقة أن لعلي عبد الله صالح القدرة، في كل مناسبة فاصلة في تاريخ حكمه لليمن، على إدخال يده في جيبه مثل فهلوي محترف ليخرج بها بأوراق جديدة تعمل على قلب المشهد برمّته رأساً على عقب.




استهداف مراكز انتخابية


في ثاني حادث من نوعه خلال يومين، هزّ انفجار عنيف أمس حي خورمكسر في عدن، بعدما ألقى مجهول قنبلة يدوية على معهد «أمين ناشر»، حيث يوجد مركز انتخابي، من دون وقوع أي ضحايا أو أضرار.
وفي السياق، نفى الحراك الجنوبي الذي يدعو إلى إعادة فك ارتباط جنوب اليمن عن شماله، صلتة بحادثة تفجير مقر انتخابي قبل أيام، واتهم السلطات الأمنية بتدبير الحادث من أجل اعتقال قيادات الحراك إثر مقاطعتهم للانتخابات الرئاسية المبكرة.
وقال السفير قاسم عسكر، الأمين العام «للحراك»، في بيان صحافي، إن «مثل تلك التهم مردودة على من يدّعي ذلك. والحراك التزم بكل الطرق السلمية لمقاطعة الانتخابات الرئاسية، وليس باستخدام العنف».
في غضون ذلك، أعلن مساعد وزير الخارجية الروسي، سيرجي فرشينين، أمس، دعم بلاده لحكومة الوفاق والمسيرة السلمية السياسية في اليمن، برئاسة محمد سالم باسندوة (الصورة). وقال المسؤول الروسي للصحافيين لدى وصوله إلى صنعاء «سنبحث مع المسؤولين اليمنيين في الدولة وممثلي الأحزاب السياسية دعم حكومة الوفاق والمسيرة السلمية السياسية الهادفة إلى لمّ الشمل اليمني والحفاظ على استقرار اليمن ووحدته».
(يو بي آي)