دمشق | فيما يعيش أبناء المدن السورية على يوميات الحسم الأمني والعسكري الذي يضرب بقوة في حمص وإدلب ودرعا وريف دمشق، أعلن أمس إجراء استفتاء في السادس والعشرين من الشهر الجاري على الدستور الجديد، فيما تباينت الآراء تجاهه بين مرحّب بإلغاء مبدأ حكم الحزب الواحد وإضافة مبدأ التعددية السياسية، ومعترض على تحديد دين رئيس الجمهورية وعدد سنين ولايته الدستورية.

وكان الرئيس الأسد قد أصدر في 16 تشرين الأول من العام الماضي قراراً جمهورياً بتأليف اللجنة الوطنية لإعداد مشروع دستور لسوريا، على أن تنهي اللجنة عملها خلال مدة لا تتجاوز أربعة أشهر ابتداءً من تاريخ صدور القرار.
بعد عشرة أيام سيكون السوريون على موعد مع استفتاء على الدستور الجديد للبلاد، وهو الذي ألّف رئيس الجمهورية لجنة لصياغته من جديد، بعد أن تعالت الأصوات المطالبة بتعديلات تطاول عدة مواد فيه، لعل أبرزها المادة الثامنة التي تنص على أن حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في الدولة والمجتمع، والذي يفرض بالتالي آلية انتخاب رئيس الجمهورية عبر ترشيح يصدر عن مجلس الشعب، بناءً على اقتراح القيادة القطرية للحزب، ومن ثم يعرض الترشيح على المواطنين ضمن استفتاء عام. يحمل الدستور الجديد تعديلات عديدة، أبرزها ما يتعلق بآلية الانتخاب مع إلغاء المادة الثامنة التي استبدلت بوصف للنظام السياسي للبلاد يشرح مبدأ التعددية السياسية، وأن الأحزاب السياسية المرخصة والتجمعات الانتخابية تسهم في الحياة السياسية الوطنية، وعليها احترام مبادئ السيادة الوطنية والديموقراطية.
وينظم القانون الأحكام والإجراءات الخاصة بتكوين الأحزاب السياسية التي لا يجوز أن تقوم على أسس دينية أو طائفية أو عرقية، فيما حدد الدستور الجديد آلية انتخاب الرئيس، عبر ترشّح يقدم للمحكمة الدستورية العليا، ويجب على المرشح في المقابل الحصول على دعم خمسة وثلاثين عضواً على الأقل من أعضاء مجلس الشعب، واشترط النص أيضاً أن يتجاوز سن الرئيس الأربعين عاماً، وأن يكون من أبوين سوريين وتكون مدة ولايته سبع سنوات ميلادية، لا يجوز أن ينتخب بعدها إلا لمرة واحدة. كذلك بقيت المادة الثالثة في الدستور التي تنص على أن يكون دين رئيس الجمهورية هو الإسلام، وكذلك الأمر لمعظم صلاحيات مجلس الشعب، والذي حافظ الدستور على تشكيله بمبدأ نصف الأعضاء من العمال والفلاحين، وتشدد النص كذلك في اعتماد اللغة العربية دون غيرها.
وفيما أثار الدستور الجديد حالة من الارتياح لدى العديد من الأوساط، أبدى البعض الآخر اعتراضه على بعض مواده. هكذا يشير أحد النشطاء في المجتمع المدني، الذي رفض الكشف عن هويته، إلى أن مواد الدستور تطعن في مبدأ المساواة بين الأفراد، ويتجسد ذلك من خلال اعتبار الفقه الإسلامي مصدر التشريع الرئيسي، واعتبار دين الرئيس هو الإسلام، فيما يشير الدستور لاحقاً إلى المساواة وعدم التمييز في الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين، وهو ما يعني تجاهلاً لحقوق ملايين المسيحيين المقيمين في سوريا، رغم أن النص ألغى مبدأ الحزب الواحد وعزز مفهوم تداول السلطات والفصل بينها، إضافة إلى التعليم المجاني.
في المقابل، يشير محام، رفض الكشف هو الآخر عن هويته، إلى أن الدستور الجديد يبدو عصرياً، ولكن نشره قبل عشرة أيام فقط من الاستفتاء عليه يبدو غير كافٍ. في المقابل، إن استمرار العمليات الأمنية في حمص ودرعا وحماة وإدلب وبعض مناطق ريف دمشق، من شأنه أن يحرم الكثيرين من أبناء سوريا حقهم في المشاركة في إبداء رأيهم في الدستور الجديد.
أما الناشط الحقوقي، مارك داوود، فيرى أن أحد أبرز عيوب الدستور الجديد يكمن في إبقاء مدة ولاية الرئيس، التي تُعَدّ الأطول في العالم، بينما كان من الأفضل تحديد الولاية بفترة أقل تضمن أن يكون للرئيس المنتخب دافع للإنجاز وتحقيق مصالح الشعب.
أما الكاتب المعارض مارسيل عبد المسيح، فيرى أن «هذا الدستور لا يمكن تصنيفه بأنه علماني أو إسلامي، كذلك فإنه لا يساوي بين المواطنين تحت سقف القانون، إضافة إلى العديد من المواد التي تحتاج إلى إجراءات تنفيذية تضمنها قوانين بالأساس غير موجودة. أما المادة الثالثة التي تتعلق بدين الرئيس، فتشكل نقضاً لمبدأ المساواة، وهي غير مبنية على أساس المواطنة، إضافة إلى منع تأليف الأحزاب على مبدأ عرقي، وهو ما يعني استبعاد الأحزاب الكردية عن الحياة السياسية في البلاد».
وأشار عضو لجنة إعداد مشروع الدستور في سوريا قدري جميل، إلى أن «مشروع الدستور الجديد يمنع أن يكون هناك مرشح واحد في الانتخابات الرئاسية، بل يلزم أن يكون هناك أكثر من مرشح، ولم يعد حزب البعث هو من يقرر من هو المرشح، بل من يحصل على 35 توقيعاً من أعضاء البرلمان وتتوافر فيه شروط الترشّح للرئاسة يحق له الترشّح، والمحكمة الدستورية هي الجهة التي تقرر من يحق له الترشّح».
بدوره، رحب علي حيدر، رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي، بالاستفتاء الشعبي على الدستور الجديد «رغم اعتراضنا على نقطتين، هما عدم إطلاعنا على مضمونه قبل تسليمه للرئيس، وكونه نفذ من جهة واحدة».
وبالتزامن مع صدور المرسوم الرئاسي الذي يعين موعد الاستقتاء، أصدر وزير الداخلية السوري محمد الشعّار، قراراً بتأليف لجنة الإشراف المركزية على عمليات الاستفتاء على مشروع الدستور الجديد.
وذكرت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) أن الشعّار أصدر قراراً بتأليف لجنة الإشراف المركزية على عمليات الاستفتاء على مشروع الدستور الجديد برئاسة وزير الداخلية وعضوية معاوني الوزير بحيث تتولى الإشراف العام على سير عمليات الاستفتاء وما يتصل بها من إجراءات في سائر أنحاء سوريا.
وفي السياق، أصدر وزير الداخلية السوري قراراً بتأليف اللجان المركزية لدوائر الاستفتاء على مشروع الدستور السوري الجديد في جميع المحافظات السورية الـ 14.