تونس | «لا مكان لوجدي غنيم بيننا، تونس بلد الاعتدال والأصالة وليست بلد طيور الظلام». بمثل هذا الشعار وغيره، انتفضت فئة واسعة من الشعب التونسي رفضاً للزيارة التي قام بها الداعية المصري المتشدد وجدي غنيم. وقد اشتدت موجة الرفض والتنديد بهذه الزيارة، وخصوصاً عندما استفز هذا الداعية جمعاً غفيراً من المواطنين الذين ردّدوا النشيد الوطني في محافظة المهدية في بهو أحد مساجد المدينة، حيث ردّ عليهم الداعية بـ«موتوا في غيظكم، تونس إسلامية وليست علمانية». زيارة هذا الداعية المتشدد تأتي في الوقت الذي تعاني فيه البلاد موجة برد غير مسبوقة كشفت عن واقع اجتماعي واقتصادي وإنساني متردِّ، وتزامنت مع توجيه انتقادات المعارضة ضد الحكومة المؤقتة، على خلفية قرارها طرد السفير السوري من تونس.


والجهة الداعية لغنيم عبارة عن أربع جمعيات اسلامية تأسست أخيراً إثر الثورة التونسية، وهي «جمعية الإيثار والدعوة الإسلامية» و«جمعية بشائر الخير» و«أكاديمية دار الحديث بتونس»، و«جمعية الفرقان لتعليم القرآن»، وهي جميعها، مثلما تدلّ على ذلك أسماؤها، لا تنتمي إلى المجتمع المدني بقدر ما تنتمي إلى «مجتمع ديني مكتمل الملامح». وقد سبق لتنظيمات دينية مماثلة أن استضافت الداعية المصري، عمرو خالد، المعروف باستفزازه المتواصل للمجتمع التونسي ولتحرُّر المرأة فيه، ومنسوب الحريات المكتسبة في هذا البلد.
زيارة غنيم استمرت أربعة أيام من 11 شباط الجاري إلى 14 منه، قدّم خلالها ست محاضرات في مساجد توزّعت بين تونس العاصمة ومحافظتي سوسة والمهدية ومدينة الحمامات السياحية. والى جانب الحركات الاحتجاجية التي نفذها عدد من المواطنين أمام المساجد التي ألقى فيها هذا الداعية «محاضراته»، وإضافة إلى الجدل الواسع القائم على الصفحات الاجتماعية، تعدّدت المواقف الرافضة لهذا الداعية ولغيره من الدعاة المشارقة المتشددين في قراءتهم للإسلام؛ ومن بين المواقف التي أعربت عن رفضها المطلق لمثل هذه الاستضافات، كلام مفتي الجمهورية التونسية الشيخ عثمان بطيخ، الذي رأى أنّ الداعية مجدي غنيم، «مثله مثل عمرو خالد، هما ظاهرتان فضائيتان». وفسّر المفتي بطيخ «هجمة» الداعية غنيم على الإسلام في تونس إلى أن منابع الزيتونة (مدرسة دينية في تونس مماثلة لمشيخة الأزهر) قد جفّت في العقود الأخيرة، ولأنّ عدداً من المشائخ والعلماء قد رحلوا، «وهو ما فسح المجال لظهور دُعاة متشدّدين لا يعملون إلا على إثارة الفتن». وأشار المفتي إلى أنّ الاختلاف في الرأي والتعدُّد في الاجتهاد مرجعه أساساً «العُرف والقياس والمصلحة العامة والاستحسان وسدّ الذرائع، على أن يبقى الاجتهاد منضبطاً للقرآن والسنة والمقاصد الشرعية العامة، وإن زاغ عنهم فهو يعد ضرباً من ضروب العبث ولا يصدر إلا عن جاهل بالشريعة وبأصولها».
تجدر الاشارة إلى أن وزارة الشؤون الدينية التونسية لم تكن تعلم بهذه الاستضافة، ولا بتلك التي تعلقت بعمرو خالد، وقد أصدرت الوزارة بياناً اختصرت فيه موقفها الرافض لمثل هذه الزيارات. كما كان لموقف الشيخ عبد الفتاح مورو، أحد القياديين السابقين لحركة «النهضة» الاسلامية، ورئيس قائمة «طريق السلامة»، موقف واضح من هذه الاستضافة، حيث لاقى تصريحه للتلفزة التونسية استحساناً كبيراً من المواطنين، ورواجاً لموقفه على الصفحات الاجتماعية على الانترنت. وأكد مورو أن هؤلاء الدعاة، ومنهم غنيم وخالد، «يريدون إسقاط قراءاتهم على الواقع التونسي الذي يختلف تماماً عن واقع دولهم (مصر بالخصوص)، وخصوصاً في ما يتعلق بختان الاناث الذي يدعو له وجدي غنيم». أما في ما اعتبره الداعية المصري من أن «الديموقراطية حرام»، فقد كان رد الشيخ مورو واضحاً، إذ جزم بأن الديموقراطية «هي آلية من آليات التسيير المدني بين المواطنين لا تتعارض إطلاقاً مع الإسلام». كذلك لم يفت مورو دعوة غنيم إلى حثّ الشباب السلفي التونسي على تغليب قيم التسامح والحوار والكف عن العنف وقمع الآخر.
وفي السياق، تقدّمت الحقوقية والمناضلة النسوية التونسية، المحامية بشرى بالحاج حميدة، بدعوى قضائية ضد وجدي غنيم وضد الجمعيات التي استضافته، بتهم التحريض على العنف والبغضاء والكراهية والجهاد تحت مظلة الدين وتكفير المعارضين وترويج أفكار غريبة عن المجتمع التونسي كختان البنات. وقررت المحامية حميدة مساءلة كل من رئيس الجمهورية المؤقت المنصف المرزوقي ورئيس الحكومة حمادي الجبالي ورئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر، اعتماداً على فصل قانوني يمنع استخدام المساجد لغير الصلاة.
وإلى جانب الأطراف المذكورة التي نددت بزيارة غنيم، فقد واجه الداعية المتشدد حملات مناهضة عديدة من قبل أوساط تونسية دينية وحقوقية، ذكّرت جميعها بطرده من بريطانيا بتهمة التحريض على الإرهاب.