نيويورك | لم يكن للمفاجآت مكان في جلسة ليل أمس للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، إذ تبنّت 137 دولة مشروع القرار العربي غير الملزم الذي يدعم مبادرة جامعة الدول العربية التي تدعو الرئيس بشار الأسد إلى التنحي، في مقابل 12 دولة صوّتت ضده، أبرزها روسيا والصين وإيران، و17 دولة امتنعت عن التصويت، بينما لم يظهر تصويت 3 دول (هي بوروندي وقرغيزيا وجزر القمر) على اللوحة الالكترونية لإحصاء الأصوات بسبب خطأ فني. ويدعو القرار إلى «الوقف الفوري لحملة القمع العنيفة» ويدين «انتهاكات حقوق الانسان الواسعة والمنهجية»، وهو مشابه لمشروع قرار أحبطته روسيا والصين باستخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن في الرابع من الشهر الجاري.

وقد قدمت مصر مشروع القرار باسم المجموعة العربية، وطالبت الحكومة السورية بإنهاء التعرض للمدنيين. وأشار نائب المندوب المصري ماجد عبد العزيز إلى القرارات العربية العديدة التي صدرت في 12 شباط، وإلى ضرورة الالتزام بالخطة العربية. ورفض «الخوف والعنف والتطرف»، وشدّد على الحل العربي ورفض التدخل العسكري في سوريا. وطالب، باسم مصر وكافة الدول المتبنية للمشروع، التصويت لصالحه، إن لم يتأمن الإجماع. ورأى عبد العزيز أن هناك «تدهوراً غير مقبول من حيث العنف في سوريا». وتدخلت الأمانة العامة للأمم المتحدة للتحدث عن التبعات المادية للقرار المطروح، وطلبت من أجهزة المنظمة تأمين حلول سلمية للأزمة بالتشاور مع الجامعة العربية. وطلبت مبلغ 900 ألف دولار لتمويل جهود الجامعة العربية لمدة 6 أشهر، بما في ذلك تعيين مبعوث خاص لسوريا، ونبّهت إلى احتمال طلب مبالغ إضافية.
وكان المندوب السوري بشار الجعفري قد اعترض في مستهل الجلسة على النواحي الاجرائية التي بموجبها حُدِّدَت صيغة الجلسة تحت البند 34 المعنون «منع النزاعات المسلحة». وذكّر الجعفري رئيس الجمعية العامة، القطري ناصر عبد العزيز النصر، الذي غاب عن الجلسة ليحل محله نائبه التشيكي يان كافان، أنه ارتكب تجاوزات في الجلسة السابقة في 13 شباط الجاري، حين عقد جلسة تحت البند 64 المعنون «تقرير حقوق الإنسان» استناداً إلى «التطورات الحاصلة في سوريا». وقال الجعفري إنه رغم نصحه النصر بتوخي استشارة قانونية حول صوابية قراره، فقد تمسّك الأخير بموقفه وعقد الجلسة. وحاجج الجعفري بأن البند الجديد 24 يتعارض جوهرياً مع البند 34، وعليه فإن «طرح موضوع سوريا في إطار ثلاثة بنود مختلفة تماماً عن بعضها البعض، وخلال عشرة أيام، إنما يؤكد أن سوريا مستهدفة من حيث المبدأ وليس لأي سبب آخر»، على حد تعبير الدبلوماسي السوري. وطالب الرئاسة بتوضيح تلك الإشكالات قبل المضي في الجلسة وتسجيل اعتراضاته في المحضر الرسمي للجلسة. لكن رئيس الجمعية، القطري ناصر عبد العزيز النصر غاب عن الجلسة ليحل محله نائبه يان كافان، الذي قرر المضي في الجلسة باعتبار أن الدول الراعية للقرار تدعم الصيغة.
وفي مداخلته قبل التصويت، شدّد الجعفري على أن الحكومة السورية «تعكف حالياً على مواصلة الاستجابة لمطالب الإصلاح، بمتابعة برنامج الاصلاح الشامل وتسريع وتيرته باستفتاء الدستور ومن بعده عقد انتخابات عامة، ومن بعدها الانخراط في الحوار الوطني الشامل مع كافة السوريين المخلصين لوطنهم». وأعرب عن ترحيبه بمساعدة «الأصدقاء على الخروج من الأزمة لا سيما من موسكو وقبوله لدعوتها بالحوار». وحثّ الدول على دفع المعارضة نحو النأي بالنفس عن العناصر المسلحة «التي ابتدعت فناً جديداً للإصلاح يقوم على تفجير خطوط الغاز والنفط والقطارات واغتيال الكوادر العلمية والاعتداء على المؤسسات العامة والخاصة»، على حد تعبير الجعفري. وقارن وضع سوريا بالدول العربية التي ترعى الاتفاق، وفي مقدمتها السعودية ومصر وغيرها، مشيراً إلى «العنف اليومي الذي تمر به». وجدد الادلاء برأيه الذي يفيد بأن «الربيع العربي يرمي إلى السيطرة الاستعمارية الإسرائيلية على المنطقة»، منتقداً الجامعة العربية «التي طلبت إرسال قوات أجنبية إلى سوريا» لكنها ووجهت بمعارضة دول غربية. وأعاد الجعفري اتهام الجامعة العربية بأنها «شريكة في التشجيع على نهب ثروات المنطقة وإنهاء القضية الفلسطينية وتسليمها لإسرائيل، ومساعدة الدول الغربية في حل الأزمة المالية بأموال العرب».
ونبّه المندوب السوري إلى فقرة محددة في القرار، تقول التالي: «قررت الجامعة توفير كافة أشكال الدعم المادي والمالي للمعارضة»، ليعتبرها بمثابة «تشجيع للمعارضة وتأمين للسلاح لها». ووصف مشروع القرار بأنه «متحيز بامتياز، حيث رفض مقدمو المشروع النأي بالنفس عن الجماعات المسلحة ورفضوا تحميلها مسؤولية الهجمات ضد البلاد والهجمات الإرهابية الانتحارية التي وقعت في حلب ودمشق، ورفضوا الاعتراف بالاصلاحات».
وتساءل الدبلوماسي السوري «هل فكر أحد بما سيقع بعد خراب البصرة؟»، محذراً من «انعكاس الأزمة على السلم والأمن الدوليين في المنطقة». ووضع الرجل ما يجري في خانة السعي «لمساعدة إسرائيل ولقتل السلام العادل والشامل في المنطقة بما أن المسألة تتعلق بتصفية حسابات قديمة مع سوريا».
وبعد التصويت، احتجّ مندوب روسيا فيتالي تشوركين على القرار، على قاعدة أنه «متحيز ويحرك العداء ضد سوريا»، لافتاً إلى رفض التعديلات التي تقدمت بها بلاده على مشروع القرار العربي، ليختم مطمئناً إلى أن بلاده «ستواصل العمل لمساعدة سوريا على الخروج من أزمتها». وفي السياق نفسه، رفض المندوب الصيني لي باو دونغ «التمييز بين الحكومة والمعارضة»، ورحّب بالاصلاحات السورية، وجدّد تمسك بيكين «بمساعدة الشعب والحكومة السوريين وحل الأزمة محلياً وإقليمياً بوسائل سلمية فقط». ولم ينسَ نبذ الحلّ العسكري، والسعي لتغيير النظام السوري، واستنكر أي تدخل خارجي لا سيما بالعنف أو بتقديم السلاح.